17/3/2012
ثمة من يعتقد أن العقل الإجرامي عقل حادّ ذكي مخلوط بخسّة نفسية، فيجرّ هذا المركب صاحبه في النهاية إلى حتفه المشؤوم.
وإذا كان للمرء أن يحاول فهم المنطق الغريب لفظائع المجازر الجماعية، ربما لا يمكنه أن يقف إلا على تبريرين شيطانيين: الأول هو فكرة الخلاص من مجموعة بشرية أو طردها من حيّزها الجغرافي تطهيراً عرقياً؛ والثاني هو السحق النفسي بوحشية تصرفاتٍ لا يتحمّلها أي مخلوق كائناً من كان. غير إن تجارب البشر تنبئ أن المنى الإجرامية قلما تصل إلى مبتغاها. فلم تُفنِ مجازر صبرا وشاتيلا وتل الزعتر الشعب الفلسطيني، ولم تُفنِ مجازر حماة أهل هذه المدينة، ولم تُفنِ مجازر الإبادة التي قام بها النظام العراقي الوجود الكردي، ولم تُفنِ مجازر الصرب أهل البوسنة والهرسك. لم تتحقق أحلام المغامرات الساديّة في إفناء الآخر برغم ضخامة الضحايا وفظاعة الآلام، بل أبقتْ ذاكرة المآسي واقعاً خالداً على مرّ الدهور يُحصّن أصحابها من أن تُباع قضيتهم بثمن بخس. وفي سياق الثورة السورية، ولّدت التضحيات الباسلة وعياً ذاتياً يتجدّد باسمترار ويكتمل وينضج. لقد أدركت الثورة أن طريقها طويل لا يماثله طريق أي ثورةٍ من ثورات الربيع العربي، إدراكاً مقترناً بيقين قاطع بالنصر، عهداً قطعته على أنفسها أجيالٌ عاينت الموت بأبشع صوره ولمسته وشمّت رائحته وسمعت أنينه. وبدل أن يدفع البطش الوحشي إلى لاواقعية الانتقام الفردي، دفع نحو واقعيةٍ ثورية ونضجٍ في الوعي النزاليّ.
لقد اعتلجت ضمير الثورة حالاتٌ ثلاث.