مفهوم الدولة: مراجعة نقدية – خاتمة

قامت هذه الورقة بمراجعة مفاهيم أساسية تتصل بدولة الحداثة، وذكّرت بطبيعة الدول المسلمة في تاريخنا، وبيّنت مقدار الاختلاف بين النموذجين.  ونظراً لما تمتّعت به المعالجة من منهجية نقدية، كان من المناسب ومن الواجب التأكيد على أنّ ثمة تجربة عالمية ينبغي الاستفادة منها.  وليس هنالك تعارض بين الانفتاح الحضاري الذي تحدوه رغبة التعلّم من جهة، وتحريّ فرادة الأنموذج الإسلامي من جهة أخرى.  والاستفادة والتعلّم أمرٌ مختلفٌ تماماً عن المحاكاة والتقليد.  وعلينا إدراك أنّ مجتمعاتنا اليوم تعيش حال الحداثة فعلاً، وأنّ استرجاع الماضي هو خلاف سنن الحياة.  فالواجب الأكيد إذاً هو الاجتهاد لا التقليد ولا الاستيراد العشوائي.

وإنّ ما سبق من بيان لخصائص نموذج دولة الحداثة واختلافه الجذري عن نموذج الدول المسلمة ليدعونا إلى مراجعة طروحاتٍ حركية مستعجلة وغير ناضجة.  فلقد تضخّمت فكرة مركزية الدولة في ذهن التيارات الحركية الإسلامية، وخُيّل للبعض أنّ خروج الجيل المسلم يمرّ عبر أعلى منصات الدولة من دون تربية الغار، و خيّل للبعض الآخر أنّ عملية الإخراج هذه تُـؤْطر أطراً -ناعماً أو غليظاً- بدل أن تكون تنشئةً وتأقلماً في مناخٍ تيسّره الدولة وتسمح به.  وليس المشروع الإسلامي هو أسلمة الدولة الحداثية المتغوّلة جينيّاً، بل ردّ ما سرقته الدولة من المجتمع إلى أهله.  ويمكننا القول إنّ المشروع الإسلامي الذي اقترب من التبلور على الصعيد النظري ما زال يعاني من توترات على صعيد التطبيق، ولا سيما أنه يتحرّك في بيئة عالمية معادية.

وينبغي أن يكون واضحاً أنّه لا خلاف في الدور الحاسم الذي تلعبه السياسة في توجيه المجتمع من خلال الخيارات التي تتخذها، وليس المقصود حصر الدين في صوامع بعيداً عن الحياة، فهذا هو المنهج العَلْماني الإقصائي.  غير أنّ الإشكال هو في سوء فهم العملية السياسية نفسها ومن كونها سلسلة طويلة من التدابير الحكيمة والشراكة العضوية مع الشعب.  الإشكال هو في اختزال هذه الصيرورة المعقّدة وتخيّلها أنها مجرّد وصول التقيّ إلى السلطة.  كما يُساء فهم مصطلح (تطبيق الشريعة) حين يخلط الناس بين الشريعة والفقه، مما يعني –عملياً– محاولة (تطبيق الفقه) لا الشريعة.  والشريعة هي الأصل، وأما الفقه فلا يعدو أن يكون اجتهاداً بشرياً –مستمدّاً من الشريعة– له خصوصياته الزمانية.

ولقد كان حظّ الشريعة في مسائل الحُكم تقرير مبادئها العامة لا تفاصيلها.  فبما أنّ للترتيبات السياسية ارتباطاً كبيراً بالظروف الموضوعية للأقوام في مختلف الأصقاع والأزمنة، جاءت توجيهاتُ الشريعة مقتضبةً في هذا الصعيد؛ ولو كان فيها تفصيلٌ لحرم ذلك الشريعةَ من عالميّتها.  وتشمل رؤيةُ الشريعة في السياسة مبادئَ الشورى والعدل ورعاية المصالح العامة وما شابه ذلك من الهموم الكبرى، وتترك للمسلمين في مختلف عصورهم وظروفهم تقدير كيفية تنزيل هذه المبادئ على الواقع. 

 

فـمبادئ الشريعة وكليّاتُها هي الناظم للسياسة لإعطائها الوجهة الإسلامية.  وعلى مسلمي كلّ عصرٍ أن يجتهدوا في تفعيل هذه المبادئ وتحويلها من عالم المُثل إلى العالم التطبيقي في واقع الحياة.  كما يفتقر تطبيق الشريعة –في إطار الدولة– إلى المعرفةِ بوسائل تنظيمية و (خطط عمرانية) كما أطلق عليها ابن خلدون، اعتبرتها الشريعةُ من العاديات .

ولعلّ أهمّ ما ينبغي التنبيه إليه هو أنه أحدثت التطورات التاريخية تغيراتٍ هائلة في الواقع البشري.  ولا تقتصر هذه التغيرات على التغيرات الكمية، وإنما تشمل أيضاً التغيرات النوعية، أو هي كمية في منشأها وقاربت النوعيّ عند تشابكها مع غيرها من التغيّرات.  ويكفي لغرضنا هنا التذكير بخمسة من هذه التغيرات: الازدياد السكاني، وأنواع الفاعليات الاقتصادية، والمواصلات، وقدرات التواصل، والتنوّع في مصادر الطاقة.  وهذه ساحة واسعة من العاديات التي تندرج في باب المصالح المرسلة.  وحين نقول إن معظم ساحة السياسية تندرج تحت العاديات والمصالح المرسلة، فلا يعني ذلك أنها لا تخضع لتوجيه الرؤية العامة للإسلام، وإنما أنها لا تنضبط بالفروع الفقهية بل بمقاصد الشريعة.

 

إنّ نموذج الدولة المسلمة لمجذّرٌ في حقيقة الأمة التي لا تقصر في استلهام شريعة الإسلام لما يضيء الحياة ويقيمها وفق الهدي الرباني والتوجيه النبوي.  وإنّ هِمم إصلاح الفكر تعانق هِمم إصلاح الواقع، لينبثق منهما ما يستظلّ به المسلمون ويعيشون فيه عيشة هناءٍ واستقامة.

مفهوم الدولة: مراجعة نقدية

مقدمة

أولاً: دولة الحداثة

ثانياً: نموذج الدولة المسلمة

خاتمة

Tagged: , , ,

4 thoughts on “مفهوم الدولة: مراجعة نقدية – خاتمة

  1. Samir Twair 2014/01/01 عند 3:03 م Reply

    Excellent analysis.

  2. صهيب الآغا 2014/01/04 عند 3:36 ص Reply

    الأخ الدكتور مازن: مقالة جيدة ولكن كنت أتمنى أن توضح مفاهيم “السلطة” وموازينها من مفهوم الدولة المسلمة الذي طرحته. هناك أسئلة مهمة للغاية: أين هو النموزج الناجح للدولة المسلمة التي أوضحت صفاتها؟ كيف يتم الإنتقال السلمي للسلطة من مجموعة حاكمة الى مجموعة معارضة؟ كيف يتم توزيع مصادر “السلطة” بشكل يضمن عدم خلق إستبداد جديد أو حصرها بمجموعة ضيقة؟ ماذا عن مفهوم “أمير المؤمنيين” و “خليفة رسول الله” وماهي ضوابط تجنب “الثيوقراطية” الدينية أو الخلافة الوراثية المبنية على القوة العسكرية التي شكلت أغلب التاريخ الإسلامي؟ كيف يتم إختيار ممثلين الشعب أو “الأمة”؟ هل الإنتخابات والتصويت مفتوح للجميع لكل فرد صوت مهما كان؟ كيف يتم إختيار الحاكم وماهي الضوابط والصلاحيات؟ هل الدولة المسلمة التي وصفتها هي دولة “أهل الحل والعقد” أم دولة الجميع في عقد مواطنة جديد؟؟؟

    • مازن هاشم 2014/01/04 عند 9:29 ص Reply

      الأخ الكريم صهيب:
      أتفق معك على أهمية الأسئلة التي طرحتها (وليس توصيف التاريخ). وكان لا بدّ من الحديث عن الحكم قبل الحديث عن السلطة. وأكثر الأسئلة التي طرحتها هي مسائل عملية بحتة يمكن القول فيها بعدما يتضح المنظور الذي يتبناه المرء.

      وأودّ أن أشير إلى أن ثمة إسهامات فكرية إسلامية متراكمة في هذه المسائل، والأمر واضح وشبه محسوم في عالم الفكر، على المستويين الفلسفي والنظري، بالإضافة إلى طروحات على المستوى التطبيقي الذي يمكن أن يختلف بين سياق وسياق.

      ومثلاً، كتابات عبد الوهاب المسيري فيها إضاءات فلسفية مهمة، وكانت طروحات حسن الترابي سبّاقة، وينطبق هذا على المدرسة السودانية بشكل عام، بما في ذلك إسهامات عبد الوهاب الأفندي. وثمة إسهامات جيدة من أمثال عبد الفتاح سيف و هبة عبد الرؤوف و نصر محمد عارف و لؤي صافي، وغيرهم. وكل هؤلاء أكاديميين وأساتذة جامعات ولهم كتب ومقالات في الموضوع، وتتحلى كتاباتهم بالمنهجية العلمية المحكمة وليست هي مجرد وصفية أو تبجليلية. وهنالك إسهامات راشد الغنوشي التي تقترب من الواقع التطبيقي.

      بصراحة، يكمن جزء كبير من مشكلتنا في أن الذين يتصدون للسياسة يزهدون زهداً بالغاً بما هو موجود، أو ينعتونه بالنظري. نعم، نحن بحاجة إلى كتابات موطأة تخاطب شرائح أوسع، غير أن في الموجود بركة، وفي المنجز ما هو كاف لتصويب المسار. ولا تنس التشويش الذي يأتي من طروحات القراءة السكونية للتراث التي يصطادها الطرح العلماني. وحتى من الناحية الشرعية ثمة مساهمات متفرقة جيدة من أمثال الشيخ أحمد الريسوني و طه جابر العلواني وغيرهم.

      أوليس عار علينا أن يقوم التُرك وتيار حزب العدالة والتنمية بترجمة كتابات الغنوشي وتطبيقها بحسب ظروفهم، ونحن لا نستفيد منها؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s