الربيعُ الشاميّ و التشيّعُ و الفرصُ التاريخيّة

في غمرة التلاطم السياسي وفرز المواقف التي قدحتها ثورة الشام، تستعر اليوم الاتهامات المذهبية، وأخصّ منها بالذكر الاستقطاب السني الشيعي.  وليس هدف هذا المقال المختصر المساهمة في تأجيج الخلاف في هذا الموضوع وإنما زيادة تبيان جوانبه، قادني إليه التفكّر في مسألة أدلجة المبادئ الدينية وفي أثر مسيرة الثورة الشامية على تمحيص الدعاوى الشيعية بالخصوص، فللساسية طريقتها الخاصة في امتحان الإديولوجيات.  والأهم من ذلك أن معالجة هذا الموضوع توضح أننا نواجه فرصاً تاريخية قد فات بعضها وما زال بعضها الآخر رهن الاختيار.

للتشيع ثلاثة دعاوى كبرى في الاستدلال على المذهب: النصوص الدينية، والمظلومية التاريخية، والثورية السياسية.  جاذبية هذه الدعائم الثلاث تراجعت أمام عبق الربيع العربي، واهتزت وتضعضعت بعد الربيع الشامي.  وفيما يلي مناقشة مختصرة لهذه الدعائم وكيف تأزم حالها بسبب ما أضاءته ثورة الشام وما وضعته في كفّة الميزان.

الركيزة النصّية

لم يكن التشيّع حاضراً في ذهن أهل السنّة حضوره بعد الربيع العربي.  والأمر المعتاد في الأكثرية أن لا تفكّر مليّاً في الأقليّة، ولكن عند حدوث مشاكل أو احتكاكات ينقدح اهتمام الأكثريّة لتحاول فهم الأقليّة على نحوٍ متعجل.  وفي حين أنّ طريقة اكتشاف السنّة للتشيع تختلف باختلاف الناس، إلا أنّ البحث في السند النصيّ للتشيع أصبح يثير اهتمام بعضاً من أهل السنّة، إذ يرون في النصوص الشرعية مستندات مؤسِّسة للمشاعر والأفكار.  كما يحسبون أنّ ذلك يُسهِّل عليهم تأويل المواقف السياسية من خلال إرجاع دافع سلوك الآخر إلى نصٍّ، ومن خلال إجراء الربط المحكم بين السلوك العاديّ والنصّ المتعالي.  هذا ما يدور بخلد أهل السنّة اليوم بغضّ النظر عن دقّته المنهجية.  والجدال المذهبي في النصوص قديم ومبسوط، ولا يقصد هذا المقال أن يحيط به وإنما التطرّق إليه من أجل تمام الصورة وتقديم الأمثلة.

لقد انكشفت زوايا من ساحة النصوص الشيعية لعامة السنّة، فإذا هم يفاجأون بما لم يكن بودّ الشيعة أن يبرز على السطح أو أن يجري النقاش فيه، حيث يفضّل الشيعة أن تبقى عموميات النصوص التي يتوافقون في معانيها مع السنّة هي العنوان، باستثناء مسألة الإمامة، وأن تتوارى خصوصياتهم داخل الطائفة لأن السنّة (لا يفهمونها) وليس عندهم تذوّق لها أو أنهم يسيؤون تأويلها.  ولكنّ العالم الافتراضي مليئ بالمادة الشيعية، المعتمدة منها وما في جعبة التشيّع الشعبيّ أيضاً، وأصبح هناك شغف عند السنّة بمتابعتها.

وفي خضم الربيع العربي ومحاولة حزر مواقف الشيعة منه، وفي سياق ثورة الشام خصوصاً والمساندة الكاملة التي يتلقاها النظام السوري من قبل إيران وحزب الله، ازداد دافع السنّة لاكتشاف السند النصّي للتشيّع ولفكرة الإمامة، كجزءٍ من محاولة فهم الطاعة العمياء التي تخالف الحسّ السليم التي أبداها الحزب اللبناني في إنكار وجود حوادث أليمة في سورية، وفي عدم تحرّك الضمير الإنساني لممثيلي التشيّع من النخبة الدينيّة في إيران.

الوصيّة أو النصّ على الإمامة هي الأساس الأول للفكرة الشيعية.  ويحشد الخطاب الشيعي الاثنا عشري عادة النصوص الكثيرة التي يؤازر بها مذهبه، وتتوزّع هذه النصوص بين طرفين: الأول هو تأويل معيّن لآيات القرآن الكريم واستعراض لأحاديث شريفة؛ والثاني هو أدبيات وروايات شيعية موجودة في كتبهم وسِــير شخصياتهم.

وأبدأ بنبذة عن النوع الثاني من النصوص التي هي أدبيات شيعية وليست نصوصاً بالمعنى الديني الإسلامي.  فهذا النوع الثاني مكوّن من قصصٍ ونقولاتٍ منسوبة إلى أهل البيت أو إلى عليّ رضي الله عنه.  ولا يُعرف مدى صحة هذه الأخبار،  ففنّ تمحيص النقل لم يتقنه المذهب الشيعي ولم يعتمده الشقّ الأصولي من الشيعة الذي غلب على الشقّ الإخباري.  ومجرد ادعاء أنّ فرداً ما من آل البيت قال شيئاً لا يعني صحّة نسبته إليه حتى ولو سلّمنا بعصمة الأئمة.  القصص الكثيرة التي يحتجّ بها الخطاب الشيعي لا ترقى إلى مرتبة النصوص الهادية، ولا هي معتبرة من ناحية الحجّية، بل هي مواد وعظية، أو هي حِكَم عامة على أحسن حال.  وكمثال على ذلك، كتاب نهج البلاغة المنسوب إلى عليّ كرم الله وجهه والذي يحتفي به الشيعة احتفاء كبيراً لم يظهر إلا في القرن السابع أو الثامن الهجري، فكيف يصحّ الإسناد بعد انقضاء هذا الأمد؟  أما من جهة نقد المتن و التحليل اللغوي لنهج البلاغة، فيظهر أن كثيراً من مادته هي أقرب إلى حِكَم أهل الهند وحِكَم أهل فارس؛ فأعجمية نظمه ومحتواه واضحة.  ونشير إلى أن ادّعاء جمع أقوال عليّ أتى في فترة نصير الدين الطوسيّ (ت 672 هـ)، فيلسوف الشيعة الذي كان له أثر كبير على المذهب.

وقضية التشيّع إما أن تكون قضية كبرى تعاضدت عليها كل الدلائل على نحو صريح لا يحتمل التأويل، أو أنها دون ذلك مما ساهمت الظروف التاريخية في تشكّله.  وفي غياب نصوص قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، حَشْـدُ الروايات لا يعدو أن يكون تحزباً يحاول اصطياد ما يدعم به دعواه كيفما كان.  ويتأكّد هذا إذا تفحّصنا هذا النوع من النصوص في ضوء التوجيهات العامة للإسلام، فتظهر بوضوح أنها ليست سرديات فحسب، بل تشعّ منها أيضاً روائح الانغلاق المذهبي والتشكّل الجمعوي التي تأباه رسالةٌ عالمية.  إنها من نوع الانطباعات المثالية والخيالات الألفية التي تتناقلها المجتمعات وتتسرّب إلى حيّز لاوعيها، فتصبح حقائق لا لأحقيّتها وإنما لعمقٍ وجدانيٍ تقتات عليه الهويّات وتتّكئ عليه الأمنيات.

أما النوع الأول من النصوص من آيات قرآنية وأحاديث نبوية التي للخطاب الشيعي فيها تأويل خاص فأمر آخر.  وأول ما يواجه الباحث عند قراءة تعامل التشيع مع هذه النصوص هو رقة منهج الاستدلال، فالنصوص التي يحتجّ بها المذهب غير قطعية الدلالة.  وإذا كان هناك فسحة اجتهادية في دلالات هذه النصوص ومعانيها، فيعني هذا أن التشيّع هو اجتهاد فحسب… هو مذهب محتملٌ فحسب.  ولكن كيف يرضى مذهبٌ ما احتمال القول إذا تعلّق بركيزةٍ من ركائزه الأساسية؟  أي كيف يمكن للتشيّع القبول باحتمالية مسألة الإمامة إذا كانت هي من ركائز الاعتقاد، يكاد ينهدم المذهب بتطرّق الشك إليها؟

فمثلاً، قوله صلى الله عليه وسلم لعلي “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى” (البخاري)، أو “إنّ هذا الأمر لا ‏ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة… كلهم من قريش” (مسلم)، أو خطبته والدعوة إلى التمسك بكتاب الله، ثم توصية بآل بيته “أذكّركم الله في أهل بيتي” (مسلم) لا يُفهم منها ما يفهمه التشيّع من النصّ الصريح على التوصية بالإمامة، بل مقتضى هذه النصوص يمكن أن يشير إلى نقيض الدعاوى الشيعية.  فهارون لا يُعطى ما يعطيه الشيعة لعليّ، كما أنّ منزلة هارون لا تمتدّ إلى أبنائه وذريته.  وقوله كلهم من قريش يشمل مَن هم مِن غير آل البيت، والتوصية بأهل البيت هي من باب المودّة كما تُظهر العبارة على نحو جليّ.  وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم هنّ من آل البيت بالنصّ الصريح للقرآن.

ويصل أمر التشيّع في التعامل مع النصوص حدّاً اعتباطياً، فمثلاً ترى الكتابات الدعوية الشيعية والمجادلات تستشهد بالآية ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) التغابن 64/8 على أنها دلالة على صواب مذهبهم، فالنور بحسب هذه الكتابات هو علي رضي الله عنه، وبذلك يصبح الذي لا يسلّم بالتشيّع مخالف لنصّ القرآن الكريم.  ولكن إذا تفحصنا تفاسير الشيعة أنفسهم نجد أن ثلاثة منهم من أصل ستة يقطعون بأن معنى النور هو القرآن، وواحد يذكر معنيين، القرآن أو الإمام، واثنين يقطعان بأن معنى النور هو علي والأئمة.  أي أن المعنى مختلف فيه عند الشيعة، وقسم منهم يفسرون الآية بما هو معتمد عند السنّة من أنّ النور هو القرآن.  وملاحظة التسلسل الزمني لهذه الأقول يكشف تطور المفاهيم في رحلة التشيّع.  فلا غرابة أن يكون تفسير القرن الرابع الهجري تفسيراً فُرَقياً، ليتلوه ابتعاد عن هذا ثم عودة إليه في العصور القريبة، ثم رفض له ضمن جهود التجديد المعاصرة .  وناهيك عن ما قالته التفاسير، إذا تفحّصنا سياق الآيات لوجدناه سياق ذكر استكبار الكفار ورفضهم لبشرية الرسل وتوليهم عن البينات  التي أتوا بها وإنكارهم البعث يوم الجزاء؛ لا يمتّ بصلة إلى ما تذهب إليه بعض الأقوال الشيعية.

إنّ أزمة الخطاب الشيعي في قضية الإمامة هو أنّ عليه إثباتها إثباتاً مطلقاً. إنه يحتاج إلى إثبات قطعيّة الإمامة كما يؤمن المسلم بقطعيّة اليوم الآخر مثلاً، وذلك لأن التشيّع جعل من مسألة الإمامة مسألة عقدية.  ولو سلّمنا بأنّ بعض النصوص تحتمل التأويل بالمعنى الشيعي لما كان هذا كافياً، لأنّ أساس العقيدة لا يمكن أن يكون اجتهادياً غير قطعي، وكان على التشيّع عندها أن يقبل الآخر (قول السنّة) على أنه صواب محتمل أيضاً.

هذه أمثلة وغيرها كثير امتلأت به الكتب، وما المراد هنا إلا إعطاء نبذة عن طريقة تعامل التشيّع مع النصوص.  والمحقّق في الحِجاج الشيعي لا يفوته التدليس عند الاحتجاج بالنصوص أو المواربة فيها لتشهد قسراً على المذهب.  فيورَد النصُّ المحتمل على أنه قاطع، ويورَد المعنى الذي فيه اختلاف في المذهب الشيعي على أنه حجّة على غيره.  وبرغم أنّ الشيعة تعتمد على الأحاديث المروية عن أهل البيت خصوصاً، إلا أنّ هناك مساحة أحاديث مشتركة، فيورَد نصٌ مقبولٌ عند السنّة ثم يوضع قبالته نصٌ شيعي، لِنصل إلى معنى مذهبيٍّ ما كان ليظهر لولا حاصرت معنى الأول بالثاني.  وإذا كانت مواقف الدفاع السلبي والبحث المستميت عن دليلٍ ما ليس غريباً على نتاج البشر – فمثلاً التفسير الإشاري للتصوف السنّي يمارس هذا النوع من المواربة والاعتداء على ما يحتمله النص – إلا أنه في مسألة التشيع الأمر يختصّ بأساس دعوى المذهب.

والتحليل التاريخي لمسألة الإمامة يُظهر على نحو جليّ تطوّر الفكرة الشيعية ويُفصح عن أنّ التشيّع المبكّر لم يكن على حاله الذي وصل إليه فيما بعد.  التشيع المبكّر مثّل مزاجاً سياسياً فحسب.  والتشيّع إلى غيبة الإمام محمد المهدي سنة 329 هـ لم يكن على حال التشيع بعد ذلك؛ والعلاقات الشيعية السنية إلى عهد الإمام السابع الذي ظهرت بعده فرق الغلاة كانت علاقات حميمة، ولنذكر مثالاً تزوج عبد الملك بن مروان -الأمويّ القحّ (ت 86 هـ)- سُكَيْنَة بنت الحسين بن عليّ، وأنّ الإمام السابع موسى بن جعفر الكاظم (ت 183 هـ) سمّى ابنيه باسم أبو بكر وعمر وابنته باسم عائشة.

ومن ناحية تطوّر الفكر السياسي، فكرة وجوب جعل القيادة في نسل إنسانٍ فردٍ فكرةٌ قـبَلية غلبتْ على العقل الشيعي، في حين أنّ الإسلام هو دعوة للخروج من دائرة تقديس الأفراد ومن ضيق التوارث المحليّ.  التوارث الجينيّ للسياسيّ فكرةٌ متهافتة، وتاريخ الشيعة يُثبت فساد الفكرة، إذ أنّ بعض الأئمة المزعومين لم يكونوا على مستوى حمل هذه المسؤولية الكبرى.  كما أنّ الإمامة بالنحو التي يصيغها التشيّع الإمامي الاثنا عشري تنافي معنى الشورى ومقتضياتها.

وخلاف السقيفة خلافٌ مفهومٌ عقلياً ولا حاجة للتكلّف في تفحّصه.  ففريق تبنّى الرؤية السائدة يومها في حصر الأحقية السياسية في سلسلة دم؛ أي أنه فاتته الإضافة المنهجية للإسلام في أمر السياسية، وغفل عن أنّ مستند توليّ الأمر الجامع هو القدرة عليه ليحَقّ الحقّ ويبطل الباطل.  وفريق آخر تبنّى الرؤية السياسية القائلة إنّ أهل البلدة أحقّ الناس بحكمها؛ أي أنّ البُعد المحلي غلب على التفكير وذُهل عن عالمية الدور المكتوب للرسالة الخاتمة.  وفريق ثالث رأى الأحقّية السياسية في سجل الممارسة القيادية في عهد النبوة، ولكنه فيما بعدُ لم يستطع الانفكاك من المبالغة في اعتبار السنّ في الأهلية القيادية.  هذه الثلاثة مثّلت اجتهادات مفهومة أثرت فيها الخبرة السياسية وطبيعة الواقع المعاش.

وإنّ التحليل التفكيكي العلمي لمعاني النصوص الشيعية يُظهر جلياً كيف اكتسبت المعاني المتعلقة بالإمامة في الخطاب الشيعي أبعاداً غيبية تنافي طبيعة الخطاب الإسلامي ولا تشابه بشيء حال النبي صلى الله عليه وسلم ولا حال آل بيته ولا حال أصحابه المنتجبين.  وإذا أضفنا إلى ذلك تاريخية التشيّع وكيف تطوّر من فكرة سياسية إلى فرقة دينية، ندرك عندها إشكال تعامله مع النصوص.

إنّ اللافت للنظر في دعوة الحجّة النصية للتشيّع الإمامي هو أنّ عليك أن تكون شيعياً أولاً حتى تقبل التفسير الشيعي المتحيّز.  فبلا كثير عناءٍ، لو قرأ قارئ الآية سابقة الذكر بلا علم أنّ هناك شيء اسمه تشيّع لما خطر في باله معنى الإمامة في فهم النور؛ وكذا لو قرأ الأحاديث المذكورة.  فالمعاني المتحيّزة شيعياً تراها كذا، متحيّزة تلوي عنق النصّ لتتطابق مع مذهب، كما ترى فيها مخالفة لعموم معاني القرآن.

وإشكالية مفهوم الإمامة تتأزم بعد أن أُضيف  إليه مبدأ عصمة الأئمة.  ويصل الأمر في بعض الطروحات الشيعية اعتبار أقوال الأئمة المعصومين بمنزلة أقوال نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم الرسول الذي يوحى إليه.  والتجلي العملي لهذه الفكرة يزيدها خطورة، إذ يصعب حجز العامة عن أن تخلع على وكيل الإمام ما للإمام من صلاحيات وأوصاف.

والخطاب الشيعي يعاني من مشكلة بُعده عن العقل، رغم تباهي المذهب بأنّ العقل من أدوات التشريع عندهم وليس القياس.  فكيف يسلّم مثقفو اليوم بمفهوم الغيبة وأن هناك شخصاً بشراً دخل السرداب وسوف يعود؟  وكيف يقبل فكرة عصمة الأئمة؟  وقد يُقال إنّ المتعلّمين يمكن أن يقعوا في فخّ مفاهيم دينية لاعقلانية من باب التسليم الاجتماعي للرائج من الأفكار.  هذا صحيحٌ، لكن يبقى الأمر محرجاً للمثقفين من هؤلاء المتعلّمين، وغالباً ما يعتمدون التفسير المجازي كي يحلّوا مشكلة لاعقلانية الدعوى، أو يدفعهم إلى تقليل كمون الهداية للنصّ بادعاء أنّ الفلسفة تُغني عن النصّ وأنه يحتاج إليه فقط من أجل مراعاة فهوم العامة من الناس.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الزغل دخل إلى مقولات السنة أيضاً.  ولكن الفرق بين الحالتين كبير، إذ بقيت غالب هذه الأقوال على الحواشي وفي ساحة الفقه التطبيقي، وليست مما تنبني عليه شخصية التوجه السنّي.  أما الجمود الذي نراه في الفقه السنّي التقليدي فله نظائره في الفقه الشيعي.  وإذا كان التوظيف في سلك الحكم يؤثر على الحرية العلمية لعلماء أهل السنة ويدعو بعضهم إلى مجاملة السلطان، فكذا بالنسبة للشيعة بل هو أشدّ إذا كان مرجع التقليد يتبوّأ مركزاً سياسياً أيضاً.  أما طريقة جبي الزكاة عند الشيعة فإنها إن كانت توفّر للمؤسسة الدينية مالاً يمكِّن من التنظيم، فإنّه أيضاً مدخلاً للفساد المالي عند غياب الرقابة على المال العام وعند عدم وجود آليات للمحاسبة على صرفه؛ ويرجّح أنّ واجب تأدية الخمس للحوزة الشيعية يحول دون التجديد ودون المساس بالمبالغات في منزلة الإمام ووكيله والنخب الدينية المتصدّرة.

مزاج الحراك الشعبي الذي قدحته ثورة الشام هو مزاج تمحيصٍ للدعاوى العريضة وشكٍّ بالشعارات والإديولوجيات التي لم تستجبْ للثورة ولم تجعلها تفصل في الأمر فصلاً قاطعاً.  فالثورة تنظر- بحقّ – أنّ مسألتها مسألة إنسانية بحتة قبل أن تكون سياسية، فهل يمكن لأي إديولوجية أن تقبل التمثيل بالأطفال؟  وعبّرت عن هذه النزعة يوماً لافتةٌ لشارع ثوري تقول شيئاً نحو: يسقط الغرب، تسقط الأمم المتحدة، تسقط الديمقراطية، تسقط الجامعة العربية… لتعبّر عن أن المسألة لا تحتمل الخلاف، وأنه من لم يحسم أمره فإنه معتوه العقل فاسد القلب متسربل في إديولوجية عفنة.

أشعّة الربيع العربي لفتت النظر إلى التعامل الحزبي مع النصوص من أجل الدفاع عن الموقف السياسي…  وها هي عامة الناس من السنّة التي تشقّ عليهم عادة متاهات التأويل تستشهد بمواربات زعيمٍ -كانت مغرمة به من قبل- في إنكار القتل والعسف والتدمير، وتستشهد بتحريف خطاب رئيسٍ عربي، لتستنتج أن ذلك نموذجاً للمنهجية الشيعية في التعامل مع النصوص.  هذا ما يشعره عامة السنّة بغض النظر عمّا يقال عن هذا الربط، وإذا رأى علماء الشيعة في هذا ظلماً لنتاجهم، فهذا ما تركه الواقع في ضمير الثورة.  وحين يقصّر الربّانيون في مهمة قول الحقّ ينعكس ذلك على ما يدافعون عنه، والزخم الثوري رفض أيضاً طرح علماء السنّة الذين نأوا بأنفسهم عن نصوص المدافعة وتذرّعوا بنصوص الفتنة؛ فالثورة لم تركن إلى دعاويهم أيضاً.

الربيع العربي ثورة على الظلم وادعاء الأحقية بالحكم، ويأبى إلا أن يتمسّك أهله بالبديهة الخالصة التي هي أقوى من الحجّة الثاقبة من أنّ أحقّ الناس بالحكم هم أقدرهم عليه.  الشعوب العربية المسلمة لم تصل إلى هذا بناء على فلسفة بقدر ما هو فهم فطري بدهي لا يحتاج إلى برهان.  وهذه البديهة لا تستطيع أن تسلّم لأي شخص أو طبقة بحق الانفراد بالحكم.

إنّ هذه الإطلالة السريعة تشير إلى مدى تأثير الواقع على تفاعل الناس مع النصوص.  والربيع العربي المسلم يتجاوز كونه ثورة سياسية برغم علوّ مطلبها من الكرامة والعزة؛ إنه إعادة صياغة للرؤى الكلية وإعادة تشكيل للهوية الحضارية…  وهو اختيار لفهم إسلامي معاصر طليق يتعامل مع الواقع بجدّية كاملة.

ومرة ثانية، تمحيص الأساس النصيّ للتشيع فيه كتابات كثيرة مطوّلة، وجرى الإشارة إلى المسألة اختصاراً من باب اكتمال المعالجة فحسب.  وعلى كل حال، الركيزة النصيّة ليست هي الأكثر حضوراً في الخطاب الشيعي العام،  فالناس لا يتّبعون مذهباً لأنهم فقط اقتنعوا بسنده النصيّ، وإنما لأنهم تشرّبوه اجتماعياً أولاً؛ وهذا ما يدعونا إلى نقاش ركيزة أخرى من ركائز التشيّع، ألا وهي المخيال التاريخي الذي يسكن المذهب.

المظالم والطهورية

قصّة المظالم التاريخية التي ينطوي عليها الضمير الشيعي هي ثاني مرتكزات الخطاب الشيعي.  فأكثر الأدبيات التي يتناقلها الشيعة فيما بينهم هي قصص عن أحداث ظلم ومعاناة.  وأصبحت هذه المادة هي المفضّلة للتبشير الشيعي لما فيها من مضمون عاطفي مؤثّر ينحّي العقل ويلتفّ حول التفكير السليم.

فالظلم الأشد بالنسبة لهم يتمثّل في (اختطاف) الخلافة من عليّ… وفي سياق التماهي مع شخصية الإمام القائد، يصبح هذا الاختطاف التاريخي المزعوم اختطافاً مستمراً إلى اليوم يعيش المرء المؤمن به لحظته الوجدانية بعيداً عن ميزان المنهج التمحيصيّ.

أما الحدث الأكبر الذي يُستثمر عاطفياً فهو فاجعة مقتل الحسين رضي الله عنه ومن كان معه من ثلّة أهل البيت.  وإذ لا شك في فظاعة هذا الحدث والمدى التي تجرّأت فيه السياسة على سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ ذكرى استشهاده تحوّلت إلى ايقونة إيمانية تجسّد الألم التاريخي فتجعله عقدة شعورية دائمة الحضور، عقدة تستأهل الصلب تطهيراً من خطئيات التاريخ.  وهكذا تُجمّد سيرورة التاريخ المسلم في جزءٍ منه ليصبح المرتكز العقلي لتفسير الماضي والحاضر والمستقبل.  واللافت للنظر أنّ هذه الحادثة الفظيعة تدفع الشيعة إلى الاستشهاد الكثيف بأقوال الحسين وعليّ استشهاداً يفوق الاستشهاد بأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أي أن التفاعل المأزوم مع التاريخ يؤثر على التعامل مع مصادر الدين.

 وشعور المظلمة المستأسد بالنفسية يبرّر للإنسان التجاوزات.  فالتماهي النفسي مع الظلم التاريخي يجعله ظلماً مضاعفاً أضعافاً كثيرة، ويضفي عليه تجريداً عن الأشخاص والظروف، فتمتنع إمكانية التعامل العقلاني مع حيثيات الظلم.  ففي حين أّن الظلم الموجّه لأفراد بعينهم أو لمجموعة معينة تدعو إلى محاكمة هؤلاء الأفراد أو إلى الملاحقة وربما القتل، فإنّ الظلم الذي يدخل حيّز المجرّد المبهم لا يمكن التعامل معه أو حلّه إلا بأسلوب الانتقام الذي هو مجرّد أيضاً، خلاف الاقتصاص الذي يتوجّه للإنصاف.

ونضرب هنا مثلاً حال اليهود من تهمة قتل المسيح، كما يعتقد النصارى وخلافاً لما يعتقد المسلمون.  وذلك لأنه إذا آمن النصراني بحدوث هذا، فلا يمكنه التعامل مع الآخر اليهودي، لأنه قتل إله الأول ومعبوده، ولأن القتل المزعوم لكيان ثلاثي متخيّل لا يمكن بحال أن يتمّ التعويض عنه ولا الديّة، إلا مسيحاً يعود فيبيد اليهود في آخر الزمان (كما يعتقد بعض النصارى الأصوليين) إذا لم يقبل اليهود بالمسيح ويصبحوا نصارى.  فلا عجب أن كان المسلمون في التاريخ أكثر رحمة باليهود من النصارى، برغم أنّ اليهود هم من أشد الفرق عداء للمسلمين.

المسألة إذاً لا تنحصر في مسألة الظلم بعينه، وإنما يقع الإشكال في تزويج الظلم بالمقدّس ثم إضافته إلى التاريخ ليصبح ظلماً مرفوعاً إلى الأس الثالث في لغة الحساب.  التعايش الفكري النفسي مع مخلية الظلم تجعله مقفلاً بثلاث آليات تُرتج كلٌ منها أي انفكاك أو حلحلة.

فكل ظلم له قدْر، ولذلك ترتّبت العقوبات في كل الشرائع القانونية على مقدار الظلم.  ولكن في حالة الظلم المركّب لا تفديه أي عقوبة لأنه هائل الحجم بسبب كونه ظلماً تاريخياً تضاعفت مكوسه.  والعقوبة على الظلم تتعلّق بقياس المظلمة، غير أنّ المقدّس لا يمكن أن يقاس.

والظلم إذا تعلّق بفرد، يزول ويذهب بذهاب ذاك الفرد، وربما يمتدّ الحنق عليه إلى الحنق على ولده…  ولكن إذا كان الظالم هو التاريخ بأكمله، فإنه يصبح شاخصاً دائم الحضور لا يمكن أن يُغفر ولا أن يزول.  وإذا كان مقدساً، فيتأثّم الإنسان من الغفران لأنّ غفرانه يصبح مظنة تفريطٍ في المقدس، فيُقمع الغفران -الذي هو نازعٌ فطريٌ- لصالح الحنق المديد المؤلم.

ونستطيع أن ندرك خطورة قبول الشيعة لحوادث مفتراة مثل ادعائهم أنّ فاطمة الزهراء اختلفت مع أبي بكر الصديق في ميراث أرض فدْك، فكان أن كُسر ضلعها بعد اقتحام بيتها وإحراق بابه وعصرها وراء الباب وإسقاط جنينها.  وحين تغلب مثل هذه الصور التي تتملك العاطفة وتحتمي بالشفقة، فحتى تحقيق عالمٍ نحريرٍ من علمائهم (محمد حسين فضل الله) وإنكاره للقصة، لم ينفع بل جلب السخط عليه وتكذيبه واتهامه بالخروج عن سيرة العترة الطاهرة.  وهذه ظاهرة ليست غير معروفة حين يغضب العوام (سنة أكانوا أو شيعة) من المساس بخرافاتهم.

والسجّل التاريخي لنزاعات البشر يبيّن أنّ ما اتصل منها برموز قدسية انقدح الردّ فيها انقداحاً لا يمكن أن يتوجّه إلى تسوية الظلم؛ وتسوية الظلم اقتصاصاً لا انتقاماً هي التي ينبغي أن تكون هدف أي قيام أو ردّ.  ولعلّ هذا بعض ما قصد التوجيه القرآني أن يحول دونه في تنبيه المسلمين: “ولا تسبّوا الذين كفروا فيسبوا الله يغير علم”.  ولعلّ تخليد القرآن للافتراءات التي أطلقها الكفار والمشركون على سيّد البشر فيه أيضاً –والله أعلم- صرفٌ لعقلية المسلمين وتفاعلهم العاطفي مع الأحداث عن الاستثارة، ولو كانت تعدّياً على الوضيء.

ولا بدّ من التذكير هنا أنّ الأصل الذي يؤكده القرآن في التّقاص التاريخي هو أنّ ((تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يفعلون)).  وينسجم معه في أصل التربية التوجيه نحو الغفران وتنقية القلب من الغلّ: ((ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا…)).

ومرة أخرى، إذا استعرضنا النزاعات في التاريخ والحروب الأهلية فإنّ أبشعها تلك التي ارتبطت برمزٍ وقدسيةٍ مخلوعة.  وهذا ملاحظٌ سواء كان الرمز دينياً بحتاً، كما كان الأمر في الحروب الدينية في أوروبة عقب الإصلاح البروتستانتي، أو قبَلياً مثل الحرب الأهلية في راوندا، أو أنه خليط من ذاك وذاك كما كان الأمر في الحرب الأهلية الهندية وفي الحرب الصربية.  والانتقام من الشيعة في العراق وتفجير مزاراتهم يدخل في هذا الباب، وكذا سلوك الشيعة بالاتجاه الآخر.

فإن قيل كيف يُقال بإشكالية إدخال القدسية على الحرب، والإسلام يدعو إلى الجهاد في سبيل الله؛ فننبّه إلى أنّ استعمال مصطلح الجهاد في القرآن الكريم أتى عاماً، وحين تعلّق الموضوع بالمعركة استعمل لفظ القتال.  كما أنه أضيفت حدود تضبط القتال يلاحظها الدارس بكثرة ورود الأدوات الشرطية في هذه الآيات (فإن، وإن، وإذا…).  ونذكّر أيضاً بأن مصطلح الحرب المقدسة هو مصطلح مسيحي ليس له وجود في التراث الإسلامي.

عندما تخرج ساحة النزاع من المعقول المحسوب إلى المقدّس الرمزي، أو قل من السياسي إلى الطقسي ، يمكن أن ترتكب أفحش الجرائم بهلوسة ذاهلة عن كل مبدأ إنساني، بل يمكن أن يصبح الانتقام والتعذيب والتمثيل قربة مزعومة… تُرتكب في ذهول حشاشيٍّ.

وربما كان أول انحراف بهذا الاتجاه في تاريخ المسلمين هو في موقف الخوارج.  وذلك أنهم طردوا المعقول المفهوم في مسألة الاحتكام، وأطلقوا قولتهم الصلدة “لا حكم إلا لله”، نافين بذلك قدرة قراءة كتاب الله وكأنه ينطق بذاته من غير تفاعل معه، ونافين إمكان الاختلاف في الفهم، ومعرضين عن مفاهيم إسلامية كثيرة، منها التصالح.  فالقدسيّة هنا مبهمة لا هدف لها، ولا تتمظهر في الحياة على نحو تطبيقات عملية أو توجيهات سلوكية، وإنما هي طقسٌ مطلوب لذاته.

واستحكام شعور المظلوميّة التاريخية له أثر آخر خطير أيضاً، حيث يحاصر هذا الشعور العقل ويجعله يقبل الروايات المبالغ بها.  وبرغم أنّ علماء الدّين الشيعة أكثر ميلاً للاشتغال بالفلسفة والعلوم العقلية من علماء السنّة، إلا أن حظّ المذهب من قبول الخرافات كان عظيماً.  والجمهور الشيعي يسلِّم بسرديّات تاريخية هي أقرب إلى الأساطير، ولا يمكن أن تثبت عند التمحيص أو عند اعتماد المنهج العلميّ.  ولقد مثّلت أدبيات التصوّف مستودع الخرافات في المذهب السنيّ، إلى جانب الشطحات المتناثرة في الكتب، في حين أنّ الخرافات والشطحات في المذهب الشيعي انعجنت مع ركائزه.

والمظلومية التاريخية التي يمتلئ بها الضمير الشيعيّ لا تقتصر على الفاجعات التي زهقت فيها أرواح آل البيت المطهّرين، وإنما تضمّ آثار صدامات تاريخية متأخرة.  ولنا أن نذكر أنّ الموقف الشيعيّ الرسميّ يرفض صلاح الدين الأيوبيّ ويعتبره من جملة الذين نكّلوا بالشيعة.  غير أنّ الوضوح في المسألة مطلوب، فظاهرة الأيوبيين هي انتفاضة للأمة ولنقاء الأصالة الإسلامية في وجه مذاهب الغلاة، وفي هذه الحالة كان التوجّه الإسماعيلي المتمثّل سياسياً بالإدارة الفاطمية.  والمذهب الشيعي الأصلي يرفض الإسماعيلية الباطنية، فلِمَ إذاً يلام صلاح الدين ويُــتّهم؟  أما أن تجيَّر نكباتُ فرق الغلاة إلى سجلّ الاضطهاد الذي لقيه الشيعة على يد حكّام السنّة فأمر لا يستقيم، وهو غشّ في التحليل التاريخي وتدليس في الاستشهاد.  ويزداد هذا الأمر وضوحاً عند تذكّر أنّ أصحاب فرق الغلاة هؤلاء لم يكونوا أهل صلاح مثل ما كان عليه أهل البيت، وليس من اعتداءٍ على شرف العترة الطاهرة أقبح من أن نسوّيهم بحاشية القصر الفاطمي أو بالبرامكة أو بالحشاشين أو بالقرامطة… وهؤلاء لم يكونوا مجرد (معارضة) سياسية، بل خرجوا على النظام العام وتحكموا به، واشتمل خورجهم القتل والاغتيال وسرقة الحجر الأسود.

وألفت النظر إلى إشكالية شخصنة الأحداث التاريخية، فلا يصحّ استثمار خوارم سلوك القادة السياسيين العسكريين للحكم على الأمة والمجتمع ككلّ.  فالقادة يمثّلون حركة تتجاوز شخوصهم ويجسّدون جهد الأمة في إقرار الحقّ وإبطال الباطل؛ فلو فرضنا أنّ أفراداً قادة وقعت منهم تجاوزات، فهل يصحّ التعلّق بالتجاوزات إلى حدٍّ يلغي إنجاز حركة الأمة؟  وعلى كل حال، فالمؤرخون النصارى يشيدون بأخلاق صلاح الدين وأنها ليست من جنس أخلاق القادة العسكريين؛ والفضل ما شهدت به الأعداء.  والخلاصة، لا يصحّ الاستشهاد بالحوادث التي فيها تجاوزات بلا استحضار سياقاتها العامة، ولا يعني استحضار السياق تبرئة الظلم -إن حدث فعلاً- أو تطبيعه وإنما الفهم الشمولي الذي ينطوي على دروس والذي يمهّد لتصحيح المسيرة خلافاً للاتهاميّة.  وبالمناسبة، لما دخل المعز لدين الله العبيدي أرض مصر (395 هـ) نكّل بعلماء السنّة، والمدرسة الأصولية المسيطرة في إيران نكّلت بالمدرسة الإخبارية وطُرد علماؤها من النجف وكربلاء في عام 1207 هـ واعتُبروا كفاراً، وإيران اليوم تحت قيادة الملالي تنكِّل بمخالفيها الشيعة؛ والظلم السياسي إذا باركه العلماء كان أبشع وأقبح.  وأقول مستشرفاً المستقبل القريب، إذا حدثت انتقامات في أرض الشام من النصيرية العلويين، أو إذا هدَّمت غضبةُ البلدات التي نُكِّل بها المزارات التي بنتها إيران فيها في عهد الأسد، فهل سيُضاف ذلك إلى سجلّ المظالم الشيعية؟

وفي سياق ثورة الشام المباركة، تعجّب السنّة أولاً من المواقف الرسمية للشيعة ثم بدأوا يفهمون –على مستوى اللاوعي- أنّ من يتمحور حول مظالم مدّعاة ويخرجها من سياقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية يقع في مثل المواقف المخزية لإيران وحزب جنوب لبنان.  وربما بدأ السنّة يلمّون بعقدة الاضطهاد الشيعية، فيفسّر ذلك لهم كيف لا تنفطر قلوب بشرٍ لما يحدث في أرض الشام، وكأنه يصغر أمام الاضطهاد المرير الذي يعتقد الشيعة أنهم عانوه على مرّ التاريخ، أو أنه يهون إذا كان ناتج الأمر عدم تأخير عودة المهدي المنتظر، تلك اللحظة التي يتمثّل فيها المغيّب المقدّس على أرض الواقع مادةً ملموسة ويحقّق العدل المطلق… فمثل هذه الغيبيات تأسر التفكير السليم وتعطّل ملكاته وتستحوذ على القلب وتحرمه من التعاطف الفطري.

الثورية التغيرية

المرتكز الثالث للخطاب الشيعي هو أنّ الثورة على الظلم ومقارعة الحاكم الغاصب للحكم والتضحية بالنفس من أجل المبدأ هي لبَّ التشيّع.  وبرغم أنّ هذا الوصف بعمومه لا يختلف عما يراه السنّة واجباً في حقّ المسلم الجادّ وفي حقّ العلماء الربانيين خصوصاً، إلا أنه يأخذ موضعاً مختلفاً في الفكر الشيعي.  فالتسنّن يحتفي بحسٍّ تاريخي مليء بالبطولات، بطولات يؤطّرها الجهادُ من طرفٍ وقولُ كلمة الحقّ عند سلطان جائر من طرفٍ آخر.  وظهور مصطلح “علماء السلطان” في الأدبيات السنّية هو انعكاس للدور الطبيعي للعلماء كما رأته الأمة وخبرته.

غير أنّ مفهوم التضحية في الفكر الشيعي له أطر إضافية أو مختلفة.  فالمعاناة مقصودة لذاتها، والتضحية مطلوبة ليكون المرء ضحية وليتمّ استرجاع ذكرى التاريخ، والاستشهاد مطلوب لذاته وليس لمجرد الاستبسال في سبيل غرضٍ مقصودٍ فحسب.  الاستشهاد في في الفهم السني هو من باب الإخلاص لمبدأ والتضحية من أجله، وهو دليل على الارتقاء في مدارج الإيمان إلى حدّ الاستعداد للتضحية بالنفس؛ وبديهة هناك اشتراك في مفهوم الاستشهاد والتضحية بين التسنّن والتشيّع.  التأطير المختلف في الحالة الشيعية يأتي في كون الاستشهاد إعادة رسمٍ للمصير الأليم والدنيء الذي لاقاه الحسين وآل البيت؛ والتوحّد مع هذا المخيال التاريخي ومتعلقاته العاطفية والإيمانية هو موئل السلوك.  ويتّضح الفرق في ملاحظة أنّ خروج الإمام المنتظر هو المعوّل عليه في التشيّع وهو الذي يجلب النصر الحقيقي، لا التضحية والفداء.  فالغيب الألفيّ هو المنقذ النهائي، والصفوة الطاهرة قد قدّمت تضحياتها منذ زمن بعيد، وواجب وسطيّ الشيعي أن يقبل التضحية تماهياً مع حال هذه النخبة من آل البيت.  وقد يكون الاستشهاد مطلوباً لغرض حماية الريادة الدينية، الأئمة حجج الله في الأرض وآياته، فهم رواسخ الدين في الحياة لا يستقيم إيمان فرد من غير التعرّف عليهم واتباع إرشاداتهم.

وإذا كانت المظلومية التاريخية هي لبّ التشيّع، فإن لعب دور المظلوم ومعاينة الظلم وألمه معاينة مباشرة –من اللطم إلى إيذاء البدن إلى الاستشهاد- هو توحّد مع الرمز التاريخي للتضحية، وترسيخ لعقدة المظلومية وإبراز لها ولاستمراريتها.

ومقابل هذا التشكّل الفكري النفسي لمفهوم الثورية، نجد توجهاً آخراً اتخذ من هذا المبدأ مدخلاً للتجديد في مسيرة التشيّع.  وكما نعلم في جهود التجديد، فإنّ الناجح منها يبحث عن أساساتٍ من داخل المنظومة الفكرية ويؤوّلها تأويلاً جديداً ينفي عن المذهب إشكالياته أو يتجاوزها.  ولا يمكن لتجديدٍ في التشيّع أن ينقض فكرة الإمامة، وإلا لما احتاج أن يجدّد ولانضم إلى مذهب السنّة.  تخليص هذا المبدأ من العوالق التاريخية يمكن أن يأتي من خلال إعادة تعريف الإمامة ودورها.  ولنفرٍ من المجددين الشيعة، ما الإمام إلا ذاك البطل الفذّ الذي يقف في وجه الظلم يقارعه حتى يستشهد أو يزيل الظلم، ورمزه الأسمى هو الحسين.  في مثل هذا التصوّر تختفي الغيبيات التي حُشرت في مفهوم حبّ آل البيت.  وفي مثل هذا الفهم تُطرد الممارسات الطقسية الشيعية التي لا ترفع ظلماً ولا تصلح حالاً، إلا مزيداً من الغرق في بحرٍ من اليأس.  التصوّر الجديد لدور الحسين ينتشل الذهول الشيعي من عالم الغيبيات والرموز إلى عالم الواقع الجاري وفق الأسباب.

وخطاب علي شريعتي كان نموذجاً للتجديد الذي جعل من مركزية فكرة عليّ الصادع بالحق الذي يقول لا للظلم أساساً تجديدياً ينفض غبار الماضي.  وألطف ما في الأمر ما ذكره شريعتي من خيبة أمله من تفاعل عامة الشيعة مع فكرة الحسين الثائر الأبدي، إذ يقول ما مفاده: عندما أتكلّم عن الحسين في باريس لا أجد مشكلة، فالناس يفهمون أنني أتكلم عن العزم التغيري والثورة؛ ولكن عندما أكلّم جموع الإيرانيين فإنّ المفاهيم التقليدية الساكنة البليدة تعود وتعشعش وتخنق الروح الثورية التي أحاول إحياءها.

ربط التشيّع بثورة الحسين وثورات أهل البيت عامة أمر في غاية الأهمية للمذهب الشيعي، لأنّ سجلّه التاريخي هو عكس ذلك، فمنذ أواخر القرن الثالث للهجرة وبداية تحوّل المذهب إلى فرقة دينية، خمدت الروح الثورية وحلّت محلّها روح تخاذليّة.  أول الثورات كانت ثورة الحسين بن علي عام 61 هـ.، وكانت قصيرة الأمد واستشهد في كربلاء العراق على يد جيش يزيد.  حركة التوابين (61-64 هـ) كانت ردة فعل ندمٍ لخذلان الحسين، وقضى عليها جيش الأمويين بقيادة عبيد الله بن زياد في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان.  الحركة الكيسانية بقيادة المختار بن عبيد الثقفي كانت حركة ثأرٍ للحسين، ودعت لخلافة محمد بن الحنفيّة (وهو أخو الحسن والحسين من غير أمهما)، وكان عالماً وخُرِّجت له أحاديث في صحيحيّ البخاري ومسلم؛ ولكن المختار يغلب أن كان قائداً عسكرياً انتهازياً مما جعل ابن الحنفية يتبرأ منه.  أما ثورة زيد بن زين العابدين فكانت ثورة عالمٍ من آل البيت، أظهر تأيده أهلُ الكوفة أدعياء التشيّع ثم خذلوه أمام قوات والي الأمويين في العراق في زمن هشام بن عبد الملك، فاستُشهد في سنة 122 هـ.  وأول ثورة شيعية ضد الحكم العباسي كانت ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية سنة 145هـ، وكان مشهوراً بعلمه ومكانته، وذلك في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور.  وكان المنصور في أواخر العهد الأموي من أتباع محمد النفس الزكية، ولكن بعدما تولّى منصورٌ الخلافة ترقّب تحرّكات محمد الذي كان في المدينة والذي ناصره أخوه إبراهيم في البصرة، فالقوة السياسية لمحمد نمت حيث بايعه بعض الناس خليفة وبدأ بإرسال ولاته إلى الأمصار، وتنوعت خلفيات أتباعه إذ انضم لثورته فقهاء ومن غير المتشيّعين سياسياً.   وتوقفت ثورات الشيعة بثورة محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين في عهد المعتصم الخليفة العباسي سنة 219 هـ، وهذه الأخيرة كانت ثورة شيعيّة زيديّة.

ويلاحظ أن هذه الثورات كان مسلّحة وتنزع الاعتراف بشرعية الحكم القائم، في حين أن الإمام جعفر الصادق (الإمام السادس عند الشيعة الإثنا عشرية) قاد ما يمكن وصفه اليوم بمعارضة سلمية، ورؤيته كانت رؤية إصلاحية في التغيير.  ونذكر هنا أنّ التشيع إلى هذه النقطة كان على جادة السنّة، لم تخالط مفهوم الإمام بعدُ المفاهيمُ الحلولية ولا دخلت في المذهب الشوائب العقدية الغنوصية والفارسية.  وبرغم أنّ ثورات أهل البيت كان عندها قناعات في صفة الإمام الذي ينبغي أن يقود المسلمين، إلا أنها كانت ثورات سياسية إصلاحية بامتياز، وليست ثورات شيعية طائفية بالمعنى المعاصر (وإن كان يذهب فيها قتلى وشهداء من أهل البيت)؛ إذ كانت مدفوعة برفض فكرة التوريث ورفض الإسراف في المال في سلك الحكم، وهي أمور يتّفق معها كثير من العلماء (السنّة) في ذاك الزمان.  غير أنّ الظروف الموضوعية لم تكن تشير أبداً إلى إمكانية نجاح هذه الثورات؛ والأهم من ذلك، الظروف الموضوعية تشير إلى أنه لو انتصرت هذه الثورات لما أمكنها أن تحقّق التزاماً إسلامياً أعلى من التزام الأنظمة التي ثاروا عليها، بغض النظر عن درجة تقوى الخليفة أو مقدار علمه الشرعيّ.  لقد تعلّقت هذه الثورات بخيال مثاليّ عن إمكانية الحاكم على إصلاح الأمور بعيداً عن فهم الفاعليات الواسعة للمجتمعات العديدة الذي ضمّتها دولة المسلمين يومها.

أما معظم تاريخ الشيعة الإمامية فلم يكن تاريخ ثورة بل تاريخ انسحاب.  وفكرة المهدي والغيبة الكبرى تؤسس للسلوك السلبيّ الانسحابيّ.  والانسحاب مفهوم في عالم الأسباب من ناحية العجز عن المواجهة، أما أن يؤصِّل المذهبُ للانسحابية فهذا أمر آخر.  معظم تاريخ الفرق الشيعية كان تاريخ سكونٍ وسكوتٍ وتوريةٍ وتقيةٍ.  فالإمام الذي يقيم الحق غائب.  والإمام هو الإمام الذي لا يصحّ إيمانٌ بلا التعرّف عليه، فإذا غاب فإنّ العمل سوف يغيب ضرورة أو ينسحب إلى مغارات الغيبوبة أيضاً.  وصلاة الجمعة فقدت مركزيّتها لصالح الحسينيات التي تملؤها تضرّعات الضعف.

استدراك

أرجو أن لا تجرَّ المناقشة المختصرة لدعاوى التشيّع إلى افتراض أنه لم يكن في المسيرة السياسية للتسنّن إشكالات.  إنّ كلّ الذي يرجوه المقال هو بيان التماهي الحلوليّ بين السياسي والديني الذي وقع فيه التشيّع، وما انتهى إليه التشيّع من إشكالاتٍ على مستوى التعامل مع النصوص فيما يتعلّق بالرؤية السياسية والسجلّ التاريخي، وعلى مستوى الثقافة الشعبية، وعلى مستوى التعايش الوجدانيّ مع الدّين؛ وأنّ هذه الإشكالات تضخّمت مع مسيرة التشيّع في التاريخ التي أضافت ما أضافت، ولم يكن الأمر كذلك في مبتدئها، إذ في البداية لم يعدُ التشيّع أن يكون وجهة نظرٍ سياسيةٍ فحسب.

وكان حظّ السنّة من التعصّب هو الشطط الذي مارسه ما يُطلق عليهم اسم “النواصب”.  وابن تيمية ينعي على ما ابتدعه كلٌ من الشيعة والنواصب قائلاً: “صارت البدع والأهواء تزداد، حتى حدث أمور يطول شرحها مثل ما ابتدعه كثير من المتأخرين يوم عاشوراء يجعلونه مأتماً يظهرون فيه النياحة والجزع وتعذيب النفوس وظلم البهائم… وقوم من المتسنّنة روَوا ورُويت لهم أحاديث موضوعة بنوا عليها ما جعلوه شعاراً في هذا اليوم، يعارضون به شعار أولئك القوم، فقابلوا باطلاً بباطل، وردّوا بدعة ببدعة” (مجموع الفتاوى 4/511-513).

ولم يبرأ بعض العلماء السنّة من اعتماد المسلك الاعتذاري في تفسير الخلافات المبكّرة، ناهيك عن إغلاق الباب على نقاشها والاستفادة منها كتجربة تاريخية.  فهؤلاء اعتمدوا منهجاً تآمرياً في التفسير يُلقي اللّوم على ثلّة من المنافقين فحسب، بدلاً من أن يقوموا بتحليل مجموعة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتشابكة.  ويلفت النظر محمد بن مختار الشنقيطي في كتابه (الاختلافات السياسية بين الصحابة) إلى أنّ ابن تيمية عندما عقّب على مقتل عثمان لم يأتِ على ذكر ابن سبأ ولم يركّز على استغلال الموقف من قِبَل محبّي الفتنة، وإنما ركّز على الواقع الذي يتحسّسه الناس ويعيشون فيه قائلاً: “فلما كان آخر خلافة عثمان زاد التغيّر والتوسّع في الدنيا وحدثت أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر، فحصل بين القلوب تنافر حتى قُتل عثمان” (الفتاوى 14/158).  ويشير ابن تيمية أيضاً إلى عوامل تربوية، وإلى طريقة الإدراة، وإلى أثر التدابير المالية قائلاً: “فتولّد من رغبة بعض الناس في الدنيا، وضعف خوفهم من الله، ومنه، ومن ضعفه هو، وما حصل من أقاربه في الولاية والمال ما أوجب الفتنة حتى قتل مظلوماً شهيداً” (منهاج النسة 7/452).  ولنا أن نلاحظ استخدام ابن تيمية للفظ “أوجب” وكأنه يقول إن هذا قانون اجتماعي.  وكما جرى ذكره سابقاً، الانحرافات السنيّة بقيت كذا، ولم تشكّل صُلب المذهب خلافاً للحالة الشيعيّة.

ولا مراء بأنّ التجاوزات السياسية في تاريخ التسنّن كانت خطيرة، ولا يقتصر ذلك على اعتماد التوريث.  لقد مثّل تبنّي النظام الملكيّ تقبّلاً للنظام الدولي السائد في الحكم، ويشابه اليوم الهشّ نحو تبني النظام الديمقراطيّ وأسلمته.  ولا شكّ أنّ هذا التبنّي مثّل عجزاً عن الإبداع في تفعيل الرؤية الإسلامية برغم أن عمر بن الخطاب كان قد ابتكر حلاً مناسباً في جعلها شورى بين صفوة القادة وأصحاب المكانة؛ وغلب في الاختيار يومها العرفُ العربي الذي يقدِّم السنّ على الخبرة.  والنظام الملكيّ الأمويّ لم يكن بالمعنى المعاصر للنظام الملكيّ، وكان فيه قدراً كبيراً من اللامركزية، وتحوّل عملياً مع العباسيين إلى نمط أقرب إلى الفيدرالية؛ فمعظم صلاحيات الحكم يومها تركّزت في وجهين: النظام المالي و السياسة الخارجية والدفاع.  وينسجم مع ما ذهب إليه ابن خلدون من ضرورة وجود العصبيّة لاستقرار الحكم القولُ إنّ الفتوحات والانتشار السياسي السريع اضطر إلى حلّ سياسيّ يناسب الثقافة السائدة بين الشعوب؛ إذ لم تنفسح فترةٌ تسمح بالتربية على مفهوم الإسلام في الحُكم وعلى أساساته الفكرية والتصورية، ولا عجب أن كانت المدينة معقلاً للتمسّك بالأصل.  وهذا لا ينافي الحقيقة الموضوعية من أن النظام التوريثي يأتي ضرورة بغير الكفئ.  ولذلك أرى أن الأخطر من مجرّد النظام الملكي هو: (1) تضييق ساحة الشورى، وهو الأمر الذي تجلّى في عدم كفاءة شريحة الحلّ والعقد، ونفور العلماء من سلك السلطان واعتزالهم له أو اضطرارهم لهذا، فيما يُشار إليه من افتراق السلطان عن الفرقان؛ (2) وطريقة التعامل مع الأزمات السياسية الكبرى، واعتماد القوة العسكرية بدل التفاوض والمصالحة.  فكيف يمكن قبول تحييد أمثال ابن عباس وابن عمر عن ساحة المشاورة، وكيف يمكن أن يُقبل قتل الحسين وجمعه من آل البيت الأطهار عليهم السلام على يد جيش يزيد، وقتل الزبير على يد جيش الحجّاج.

هذه الحقب التي نقرأ عنها في التاريخ كأحداثٍ أليمةٍ هي في جذرها إشكال رؤيةٍ سياسيةٍ اعتركت الأمّة معها، وهو إشكال بشريّ خَبِرتْه الأقوامُ جمعاء، فما من نظامٍ سياسيٍ إلا ويحارب من خرج عليه وأنكر أصل شرعيّته، وما من نظامٍ إلا ويستنفر جبروت آلته ضد من خرج عليه بالسلاح.  وبغضّ النظر عن صحّة تفاصيل ما يروى في المواجهة مع جبهة الزبير، كدعوى رمي الكعبة وغير ذلك مما لم يثبت، المسألة إشكالٌ سياسيٌ وليس دينياً مذهبيّاً؛ وحركة الزبير من الخطّ (السنيّ) ضدّ حكومة (سنّية)، وحركة الحسين جرت قبل تكوّن التشيّع.

أما المواجهة الأولى في وقعة الجمل بين فريق عائشة وفريق علي رضي الله عنهما فكانت حال فتنة حارتْ فيها العقول، وإن مهّدت لاستقاطب حزبيّ فيما بعدُ.  وبغضّ النظر عن اعتبار موقعة صفين بين جبهتي عليّ رضي الله عنه ومعاوية حالة فتنة أم اعتبارها حالة بغي، لا يمكن للتحليل التاريخي أن يغفل عن اختلاف السياقات الاجتماعية بين المدينة التي ما زالت يومها على رسم عهد الراشدين وبين الشام التي تفاعلت مع عناصر البئية والانفتاح العالمي.  ولقد مهّدت هذه الحادثة لاستقطابٍ سياسيٍ جغرافيٍ أثّر على مجرى الأحداث فيما بعدُ.

ونذكّر هنا أنّ أغلب علماء السنّة يقولون إنّ الصواب كان مع عليّ وأنّ معاوية كان مخطئاً، وكذلك استنكروا التوريث فيما بعدُ ولم يروا أصلاً لصحّته.  وكان العلماء (السنّة) في معظم تاريخ الأمّة في موقف المعارضة أو المبتعد أو المنعزل عن دوائر السلطان، وإنما اختلفت مواقفهم في درجة المواجهة المباشرة مع السلطة السياسية.  وأكثر مشاركة العلماء كانت في حقل القضاء، وكان القضاء مستقلاً واكتسب منزلته الرفيعة بين الناس بسبب نزاهة القرار، يشهد لذلك إصدار القضاة أحكاماً ضد أمراء ومتنفّذين سياسيين.  وهناك أيضاً نفرٌ من العلماء ممن قبلوا منصب المستشار، وغالباً ما كانت تضيق بهم السلطة السياسية فتطردهم، أو أنّ هؤلاء العلماء يفرّون قبل أن يصيبهم سخط سلك السلطان.

ومرة ثانية، هذه إشكالات كبرى في عالم السياسية ونظريّتها.  وإذ لا يمكن لمؤمنٍ أو صاحب مبدىءٍ وضيءٍ أن يقبل التنكيل بغير المجرمين المفسدين، السؤال المحيّر هو متى يصحّ للمعارضة السياسية الخروج على النظام القائم (بالمعنى المعاصر من عدم اتباع القوانين والدستور)، ومتى يحقّ لها المنابذة بحمل السلاح.

ولنا أن نسأل إذا كان عليّ رضي الله عنه قد أخطأ حين قبِل في صفّه قوات قبلية انتهازية من الذين خرجوا على السلطة المسلمة من قبل (سلطة عثمان التي لم يخرج ضدّها عليّ نفسه)، وقتلوا وأشاعوا الفوضى.  أولم يكن الأولى لعليّ التفاوض مع جبهة معاوية؟  أما لوم الحسين لخروجه مع ثلّة صغيرة فمشهور، ولا سيما أنه خرج ضد حكمٍ حديث الاستقرار بعد فتنةٍ طارت بها الأمّة.  وإذا مثّل هذا الخروج بطولةً وفداءً، وإذا كان قمعه بالطريقة التي قُمع بها إجراماً ونذالة، هل كان أصل التحرّك حكيماً، أم أن الحكمة كانت فيما فعله أخوه الأكبر الحسن.  ومثل ذلك يقال في ثورات آل البيت التي جرت الإشارة إليها.

ولنا أن نتساءل أيضاً إذا كان المبدأ الذي تبنّاه أفرادُ كبارِ الصحابة والتابعين، مبدأ “أرأيت إذا دخلت الأمة باباً فوسعها، ألم يكن يسعني”، هو الحكمة السياسية أم كانت الحكمة في الخروج والثورة.  ولنا أن نقوم بدراسة نتائج افتراق “أهل القلم” عن “أهل السيف”، وإذا كان ممكناً لأهل العلم الانخراط في السياسة من غير أن يؤثر ذلك على نقاوة علمهم.

أما الانقلابات فيما بعدُ ومنذ حركة الهاشميين ضدّ الأمويين، تلك الحركة التي شملت العباسيين (نسل العباس) والعلويين (نسل عليّ، ولا علاقة لهم بنصيّري اليوم الذين يسمّون علويين)، فقد كانت سياسية بحتة.  ولا أدلّ على ذلك أنه حين أسقط خطُّ العباسيين سلالة الحكم الأموي تتبّعوا أصدقاء الثورة من نسل عليٍّ وكبتوهم.

إنّ الإشكالات التي خالطت مسيرة الأمّة إشكالات لا ينكرها دراس، وتتلخص في اثنين: التقصير في تطبيق مبدأ الشورى؛ ومعضلة إصلاح الحكم من خلال حركة معارضة، ومتى يُكتفى بالنصح، ومتى يصحّ العصيان المدني، ومتى ينبغي الطعن بأصل مشروعية الحكم، وما هي طبيعة الانحرافات التي تجيز حمل السلاح في وجه حُكْمٍ مستقرّ اجتمع عليه المسلمون.  وهذه معضلات بشرية، لو تفكّرت بها لوجدت أنه لم يخلُ منها سجلّ تاريخ أيّ من الشعوب.

وإذا آلت بعض مؤلفات السنة في النظرية السياسية إلى (فقه الطاعة)، فإنّ النظرية الشيعية وقعت فيما هو أسوء، فليس أضرّ بالناس وأفسد بالواقع من أن تُضفى القدسية على السلطة السياسية، وهو ما بالغ به خطّ التشيع أشواطاً بعيدة؛ بالإضافة إلى ما أدخل البويهون على الممارسة الشيعية، وما أدخله الصفويون وأسّسوه من اختراعات وخرافات، والأهم من ذلك ربطهم التشيع بالقومية الفارسية.

مسائل الخلاف السياسي وسلوكه تحكي معضلة في فلسفة الاجتماع البشري: كيف يمكن للمبادئ التي تحفى بالأبعاد الأخلاقية وتتّصف بالإطلاقية أن تجاور السياسيّ الذي يحفى بالنسبيّة وحدود الإمكان.  ونرجو أن يكون هذا الاستطراد قد أظهر بوضوحٍ أنّ وضع اللافتات المذهبية على النزاع بين فرق الأمة يهمل فهم طبائع العمران في التقلّب السياسي.

الثورة الإيرانية مفرق تاريخي

الفهم الذي قدّمه الخميني كان اختراقاً مهماً جداً في المسيرة المعاصرة للاعتقاد الشيعي، إذ جدّد في عقيدة الانتظار، فالقول بولاية الفقيه يزيح فكرة اللاعمل انتظاراً لقدوم المهديّ.  وبغضّ النظر عن الخلاف القائم في المذهب الشيعي حول صحّة هذه الفكرة وأنها أوقعت المذهب في إشكال آخر لفتحها الباب لاستبداد النخبة الدينية، فإنّ طرح الخميني نجح في إخراج الكمون الشيعي من أساره.  والثورة الإيرانية لعام 1979 شكّلت مفصلاً تاريخياً حديثاً في حياة الشيعة، وأمدّتهم بثقةٍ بالنفس منقطعة النظير.  فالثورة فاجأت العالم بتصميمها، واقتلعت نظام الشاه الذي كان يُعتبر ركيزةً صلدةً وموثوقةً في المنظومة العالمية الغربية.  ولا بدّ من تذكّر محاربة الأسرة البهلوية للإسلام وتتبّعها لرموزه، وتبنّيها للبهائية كمدخلٍ للتغريب الثقافي.  والوجهة الشيعية الجديدة التي استهلّها الخميني كانت تتشكّل عواملها الموضوعية على مهل خلال الفترة القاجارية (1779-1925) التي سبقت مرحلة الأسرة البهلوية (1925-1979)، فلقد تميّزت الفترة القاجارية بالضعف المركزي للإدارة السياسية في إيران، ففسحت المجال للمشايخ والعلماء بتعلّم طرق السياسة والمشاركة في النشاط السياسي.  وعند الكلام عن إيران اليوم تكثر الإشارة إلى الصفويين؛ وإذا كان أثر الصفويين في ربط التشيّع بالقومية الفارسية أمر مسلّم به، فإن فهم المرحلة القاجارية أكثر فائدة في تفسير امتطاء الملالي للحكم في إيران.  وقريباً من ذلك، لنا أن نلاحظ في السياق السنّي أنّ التهلهل السياسي في البلدان العربية في القرن الماضي، أو على الأقل في خمسة العقود الماضية، أيضاً أرهف حسّ المشايخ (وليس العلماء) بالسياسة وأصبحت جزءاً من اهتمامهم.

ما سبّبته الثورة الإيرانية من إخلال للتوازن الإقليمي دفع إلى إدخال إيران في حرب مع العراق، تلك الحرب التي استثمرت فيها الاديولوجيا الدينية على نحو مؤسف، وأوقعت خراباً كبيراً وأزهقت أرواح أكثر من مليون نسمة.  وخرجت إيران من الحرب بلا ديون خارجية وبتراكم خبراتٍ عسكرية وقدرة على تطوير السلاح، وربما تلقّنت درساً بأنّ عليها متابعة بناء نفوذها على نحو ناعمٍ وغير مباشر.  فبالإضافة إلى تبنّي المشاريع التبشيرية وإغداق المال عليها، أقامت إيران لنفسها قاعدةً قويةً في جنوب لبنان في غمرة العطالة السياسية للعرب.  وأحرز التشيّع اللبناني المرتبط بإيران موقعاً جيوسياسياً متميزاً بعد الفشل الإسرائلي العسكري مرتين في جنوب لبنان.  ثم أثبتت إيران أنها أدهى من الغطرسة الأمريكية في العراق، حيث تعاونت مع الولايات المتحدة على إزالة الحكم البعثي منه لتبقى إيران في موقع قوة لا منازعة فيه، إذ تملك القرب الجغرافي والتقارب المذهبي بالإضافة إلى ولاءاتٍ سياسية.  وكانت إيران قد عزّزت موقفها الدوليّ بمساعدتها الولايات المتحدة في أفغانستان، كما طوّرت بصمتٍ وهدوءٍ قدرات نووية.  وكل ذلك كان يجري والعالم العربي المسلم غارقٌ في سبات اللافعل الاستراتيجي وغياب مشروعٍ وطني.  الانجازات السياسية الشيعية جرت باحترافية عالية جداً ضاعفت من ثقة التشيّع بنفسه إلى حدّ العُجب الذي تجلّى لاحقاً في بطر الحق وغمط الناس في لحظة الربيع العربي.

صدمة الربيع العربي

الربيع العربي المسلم مثّل صدمة لفرط الثقة الإيراني، ولا أدلّ على ذلك من أنّ النخبة الإيرانية لم تستطع تجاهله وادعت أنّه استلهم الثورة الإيرانية.  غير أنه، كما هو معروف، معظم شباب الربيع العربي وُلدوا بعد الثورة الإيرانية ولم تترك في مخيّلة هذا الجيل أدنى أثر.  وناهيك عن هزّ الثقة بالنفس، الأهم من ذلك أنّ إيران رأت في الربيع العربي نكسةً لمشروعها السياسي التي حسبت أنه صار قاب قوسين أو أدنى من نقطة رجحانٍ للموازين يصعب تأرجحها فيما بعد.  لقد رحّبت إيران بثورات الربيع العربي إلا ثورة الشام، في تناقضٍ واضح الدلالة.  التأييد الرسمي لثورة مصر طبيعي، إذ كان النظام القديم فيها حليفاً للولايات المتحدة الأمريكية ومصطفاً قبالة إيران.  ولو كان تأييداً مبنياً على المبادئ لحافظ صاحبه على الموقف نفسه تجاه ثورة الشام.  بل إنّ القراءة المتمعّنة تظهر أنّ التأييد لثورات مصر واليمن وليبيا وتونس فيه مجاملة ديبلوماسية بقدر ما فيه شعور بضروة إعادة التموضع الاستراتيجي، إذ أنّ هذا الحراك الشعبي الهادر هو في مآله ظهور سنيّ، وفيه تفنيد لدعاوى الاختصاص الشيعي من أنّ التغيير الإسلامي لا يمكن أن يأتي إلا من الكوّة الشيعية.  وثورة الشام كانت أكثر إحراجاً لأنها في بسالتها النادرة كانت خليقة برمزيّة دم الحسين.  والتحيّز الإيراني في المسألة الشامية لم يكن مجرّد تحيّز لنظام فيه استئثار، بل تحيّز لنظام فاشيٍّ قمعيٍّ بامتياز، يعرفه أهل العراق (فقد ذاقوا مثله تحت صدام) وخبرَه اللبنانيون، سنّة وشيعة؛ وفوق كل ذلك هو تحيّز لنظام محاربٍ للدّين أشدّ المحاربة.  المواقف السياسية المستكبرة لإيران وحلفائها فاقت في رمزيتها ظلم الملوك التي يدّعي الخطاب الشيعي أنه يثور ضدّها.

وعلاوة على كل هذا، يسترجع الربيع العربي الهوية الحضارية الإسلامية للمنطقة، في منهج توازن وتوسّط يُعيد الشورى إلى مواضعها في الحكم في تفاعل حيٍّ مع واقع الحداثة، وفي الوقت نفسه حريص على أن يتجنّب السقوط في فخّ الثيوقراطية الدينية التي يعترك معها التشيّع بين التوقيف العملي لمعنى الإمامة أو الانزلاق إلى صياغات تفصل الدّين عن الحياة.  وإذ يتوق الربيع المسلم بين العرب أن يتمّ شوطه، فإنه يعرّي الإنجاز الإيراني على المستوى السياسي الذي يصرّ على تجاهل الثوابت الأخلاقية للدّين.

الفرص التاريخية الضائعة

التفارق السنّي الشيعي جزء من تاريخ هذه الأمة ولا يتوقّع له أن يزول قريباً.  ويمكن للمختلفين مهما عظمت الشقّة أن يقلّلوا من عمق الهوة التي تفصلهم إن احتكموا للعقل وجاهدوا أنفسهم في التباعد عن التعصّب.  ولقد حكم الفرقاء على أنفسهم بما اختاروه من مواقف تقرؤها الناس واقعاً يتحرّك أمامهم، يدفعون من أجله الأموال والأرواح، مما يغلق الباب أمام سفسطات الفلسفة والترويج الإديولوجي.

الخطاب الشيعي وسلوكه السياسي أضرّ بنفسه عندما اختار الولوج في غور التهافت وأخضع المبدأ للشهوة السياسية.  ولقد فوّت الخطاب الشيعي على نفسه فرصة نادرة للظهور واعتلاء المنصّة الأخلاقية لو أحجم عن التمحور حول المذهب والمصالح السياسية القربية واصطف مع الربيع الشامي واتخذ من الالتزام بالحق المرّ دليلاً على استقامة درب المذهب.  وأيضاً فوّت الخطاب السنّي التقليدي على نفسه فرصةً بالعطالة التي ألزم نفسه بها والتنكّب أو التردّد في مساندة الثورات.  ولذلك فإننا نشهد ولادةً حضاريةً يقودها ضمير وسطيّ الأمة، لينفسح الطريق لبصيرةِ ربيعٍ مسلمٍ يستلهم عطاءاتِ نخبٍ إسلاميةٍ فكريةٍ بعيداً عن ساحات السلطان في رحاب المعاني الكبرى للقرآن والكريم والسنّة المشرفة.

ولقد كان بإمكان قيادات الشيعة في لبنان أن يدفعوا نحو مساندة ثورة الشام ضدّ الطغيان الفرعوني وأن يتخيلوا لطائفتهم دوراً حمدانياً.  الخسارة السياسية المؤقتة لـِ (حزب الله) كان سيفوقها مرات كثيرة علوّه بالالتزام بالمبدأ.  وهذا كان سيفسح للحزب فرصة تطبيع وضعه في لبنان ليُنظر إليه بعدها أنه حزب وطني بامتياز، وكذا في سورية؛ وإذاً لاكتسب شرعية في العالم العربي بأسره لا تقدّر بثمن.  وعندها كان ممكن أن تنصت الأكثرية السنيّة إلى الدعاوى الشيعية، ولا سيما دعوى الثورية الخالصة.  لقد عجز شيعة لبنان تحت قيادة الحزب أن يخرجوا من ضيق الطائفة إلى سعة الأمة، وهي خسارة تاريخية فادحة للحزب وللطائفة على حدٍ سواء.  ومن أسوء ما قد يترتّب على ذلك أن يشعر شيعة لبنان أنهم فعلاً مهدّدون، فيرتكسون إلى مزيدٍ من الانغلاق الطائفي، وربما برّروا لأنفسهم، أو برّرت بعض أحزابهم السياسية، التعاون مع الأعداء التاريخيين لأمة الإسلام.

نخبة إيران أيضاً فوّتت على الشيعة فرصة تاريخية كبرى للوقوف مع المستضعفين ولعب دورٍ بويهيّ.  لقد حمل همّ هذه الأمة في تاريخها أقوام مختلفون، وقاد مشروعها السياسي أقوام عرب وغير عرب، سنّة ومن كان فيهم نازع تشيّع.  كان بإمكان إيران أن تترك بصمتها في التاريخ الحديث للمسلمين وتتحرّر من أسارها القومي التي سجنت نفسها فيه.  كان بإمكانها أن تدرك دورها الجيوسياسي، فتحتفظ بقوّتها وتطامن من الطموح الامبرطوري الذي هدّ الممالك من قبلُ وأضعفها.  إيران بموردها النفطي الغنيّ وبجغرافيتها التي تحصنّها الجبال وبطواقمها الفنية المتعلّمة، تستطيع أن تحافظ على نفسها كياناً قوياً نسبياً.  وكان عندها خيار حماية استقرار كيانها بإدراكها محدودية أي قوة وبتصالحها مع القوى المجاورة ولو كانت منافسة، فتساهم في صعود الجنوب في وجه الشمال الأوروبي.  ولكن يبدو أنّ الاستغراق المذهبي والتمحور الإديولوجي للقيادة جعل إيران تضع قوتها رهن واقعٍ قلقٍ يجعلها في وضع تنافس عدائي مع جيرانها السنّة من العرب والعجم، ففتحت بهذا البابَ للقوى الدولية أن تستغلّ التناقض وتستثمره.  ويمكننا أن نؤكّد أنّ الأمة خسرت أيضاً في استمرار الفتق التاريخي بين السنة والشيعة وتعميق هذا الفتق بحوادث جديدة حيّة في الضمائر.  وطبعاً لا ننكر الدور المقابل التي تلعبه أنظمة الخليج المحسوبة على السنّة في تغذية هذا الشقاق؛ إفراد إيران باللوم هنا مقبول لأنها محكومة من قِبَل نخبة دينية صرفة تمثِّل الشيعة وهي مرجع لهم، خلاف الأمر في الطرف الثاني.

ولكن رغم الخسارة الفادحة التي ألحقها الشيعة بأنفسهم، فإنّ ذلك يفسح الفرصة لمجدّدي المذهب أن يُسمع صوتهم الذي طالما غلبته الثقافة الشعبية الرائجة.  ففي التراث الشيعي شطحاتٌ كثيرة تسلّل بعضها إلى أمهات كتب الشيعة ولم يستطع عقلاؤهم تنقيتها، كما لم تنجح جهود المجدّدين في التأسيس لتجديدهم.  والمفروض أن تفتح الأزمة التي يمرّ بها الخطاب الشيعي هذه الأيام باب المصارحة الداخلية والقيام بالمراجعات.

السنّة العرب ليسوا منزهين عن العيوب، وهم عرضة أيضاً لأن تأخذهم العصبية.  ولقد انقدحت في أنفس بعض الأقوام المسلمة في تاريخنا أنفةٌ ثقافيةٌ رافضةٌ للعرب كانت أشدها بين الفرس.  وإذ كان على العرب إدراك دورهم التاريخي الفريد المنوط بهم، ودور لغتهم لغة القرآن في التجديد الأصيل، فإنهم أولى الناس بالابتعاد عن العصبيّة القوميّة لأن ذلك يفسد ما أُسند إليهم من شرف إمكانية التعامل المباشر مع النصّ الهادي ((لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم، أفلا تعقلون))، ولأنّ عصبية العرب كونها ناطقة بلغة الدين هي نتنة تعتدي على عالميّة الدين، في حين أنّ شيئاً من عصبيات الأمم الأخرى، التي يصعب أن يجتمع لها شرفان، يمكن أن تتشرّف بخدمة الإسلام.

مشروع الربيع العربي المسلم ما زال برعمة، وهو يتناغم مع بقية المشروع السنّي العالمي، وكلاهما جزء من صيرورة نهوض الأمة.  وقد يرى البعض في هذا النهوض بطأً، غير أنّ هذا من طبائع الأمور، فالنهوض بجسمٍ كبير يأخذ زمناً أكثر من النهوض بجسم صغير.   والمشروع السنيّ –إلى الآن- لا يساوم على عالميته ويحتفظ بشمولية رؤيته؛ والقيام المستند إلى عصبية ضيقة أسرع في الظهور وإن كان أقلّ نفعاً وعرضة لأن يدّمره قصرُ نظره.

وإذ ضيّع غيرُنا فرصةً تاريخيةً سانحة، فإنّ على السنّة قطع العهد أن لا يضيّعوا الفرصة التاريخية التي نعيشها.  وما نشهده اليوم من بعض الأطراف من دفع الهوية السنيّة إلى ضيق التمحور الطائفي، بما في ذلك استعمال عبارات المجوس و اللّات، أمر لا يصحّ وليس في الصالح الإسلامي.  فلا يجوز للسنّة أن ينسوا أُمميّة هويتهم أو أن يقودَهم ردُّ فعلهم إلى التصرّف على الشاكلة الطائفية؛ ولا ينفع أن يطوّر أهل السنّة وعياً عن أنفسهم على نحو مغلقٍ، فهذا أمرٌ لا يليق بالدور الحاضن المنوط بتوجّههم، وهو ينافي نسقهم التاريخي ولا يمكن أن ينجح أصلاً.

الكره الكامل لسياسات إيران مفهوم بالتمام، غير أنّ الرفض غير المشروط للإيرانيين كقومٍ وبنبرةِ قوميةٍ يقع فيما نعيب على الفرس.  كما أنه ينبغي أن يخضع أي حكم تعميميٍّ لتمحيص العقل.  فنعلم أنّ سنّة إيران مظلومون والكرد فيها مظلومون وفيها عرب شيعة مظلومون.  وكثير من الطبقة المثقّفة من الشيعة لا توافق على دعم النظام الإيراني للنظام السوري.  وهناك المضلّل بالإعلام، ولا يمكن أن يُعتب عليه أكثر مما يُعتب على سوريين سنّة مضلّلين أو متشككين أو يتمسكون بالتفاسير التآمرية برغم أنهم ليسوا من بطانة الحكم.  وليس لدينا إحصاءات لنعرف حجم هذه الكتل، وربما تصل إلى ثلث عدد سكان إيران أو إلى نصفه.  كما أنه ينبغي أن لا يهمّنا عدد الذين يساندون الثورة الشامية من الإيرانيين وإنما من هم على الأقل ليسوا ضدّها.

أما شيعة لبنان فضمور حزب الجنوب بعد تمام ثورة الشام يمكن أن يفسح مجالاً أوسع لخطاب الفحص والأمين والطفيلي أن يستقطب الناس.  التنابذ السياسي اللبناني يضع الشيعة بين خيار الانعزال الطائفي أو التوجّه لإعادة الاندماج في سماحة الثقافة التعدّدية لأهل الشام.  وإنه من الحكمة –بل من واجبنا- أن نسعى إلى تخفيف غلواء التشيع اللبناني وإعادته على الأقل إلى ما قبل لحظة الاستحواذ الإيراني.  وبين أهل الشام وسائط لغوية وثقافية من عاداتٍ ونمط حياةٍ تُمكّن تحقيق هذه المهمة رغم عسرها؛ والتقارب العربي الذي نعيشه واستفاقة الشعور العروبي ويُسر التواصل يساعد على ذلك أيضاً.

ولقد تضرّر شيعة العراق بالأنانية الإيرانية والتحالف معها، ويدرك كثير منهم ميزة استقلال أمرهم.  والشعور العربي الجامع وافرٌ وعميقٌ بين أهل العراق من العرب، والتمييز بين التشيّع العربي والتشيّع الفارسي له مبرّراته الفكرية ناهيك عن كونه استراتيجية سياسية ناجعة.  وسوف يبقى للعراق أهمية جيوسياسية كجناح شرقي للقيام العربي، كما أنّ للشام بوابة العرب إلى الأقوام التركية أهمية خاصة.

بقي أن أُلمح إلى نقطة منهجية، وهي أنّ المرتكزات الإديولوجية والاعتقاد الديني لا تكفي لتفسير كل جوانب الظاهرة السياسية.  وهذه نقطة في غاية الأهمية لا يسع التفصيل فيها في هذا المقال.  ويجري التساؤل عن مدى أثر أنماط الاعتقاد المشروحة أعلاه في تفسير الأحداث الدولية الجارية في هذه الأيام.  وباختصار شديد، لا شكّ أنّ الدّين يشكّل عاملاً فاعلاً في رصّ الصفوف، ويمدّ بالدافعية للعمل والتضحية.  ولكن عامل الدّين لا يفسر كلّ شيء ولا يغني عن أخذ الأبعاد السياسية بعين الاعتبار من ناحية المصالح ومن ناحية الأولويات الاستراتيجية.  فمثلاً، بين إيران وأذربيجان عداء مستحكم مع أنّ الشيعة في أذربيجان هم الأغلبية الساحقة.  وفي ظلّ غياب مشروع وطنيّ للسنّة العرب (قبل الربيع العربي)، لو كانت إيران ما زالت تحت الشاه لتصرفت على نحوٍ مشابه، فهذا هو دأب الدول تحاول مدّ النفوذ وملء الفراغ.  الديني والإديولوجي له قوة تفسيرية في أوجه التعاطف والموقف النفسي الشعوري، أما السلوك السياسيّ فتفسرّه السياسة، وإلا لاستحال تفسير الموقفين التركيّ والمصريّ.  إنّ الطموح الإيرانيّ اليوم هو طموح سياسيّ لسيطرة إقليميّة مشحون بدافع إديولوجي شيعيّ يحلم بإمبرطورية فارسيّة.  فلْنعطِ كلاً من الدينيّ والسياسيّ حظّهما اللائق في التفسير.  وإنّ استعراض الدعاوى الشيعية في هذا المقال كان من باب تحليل أثر السلوك السياسيّ على تماسك الإديولوجيا وعلى سمعتها، وليس تفسيراً للنزاع والسلوك السياسيّ.

إنه برغم الألم الذي يشعره السنّة من الخذلان الشيعي، فإنّ عليهم فور استقامة المشروع السنيّ على سوقه أن يفسح الطريق لعودة العرب الشيعة وعيشهم الكريم في كنف الوعاء الكبير للأمة.  وليس من عاقل يمكنه القول إنّ الصدام بين الشيعة والسنّة في بلادنا هو خير لها.  وصفح القويّ هو الذي يردّ الناس إلى رشدهم ولو بعد حين.  ودعنا نقول متفائلين، إنّ الجهود الجامعة للأمة سوف تنمو باطراد موازٍ للاطراد في ارتفاع الوعي الجمعي بدورها الحضاري الفريد، فتنحاز خياراتها إلى الوسطية الرحيبة ويذهب الزبد جفاءاً.

لي أصدقاء شيعة عرب في الولايات المتحدة الأمريكية، وكنا نقارن إجرامية النظامين البعثيين العراقي والسوري، ولم أرهم منذ احتدام الثورة، وسوف أُسائلهم عندما ألقاهم.  ولقد كان لي أصدقاء شيعة في أرض الشام، وكنت أحياناً أسهر معهم برفقة أخي.  وكنا نتحدّث عن نظام الحكم القمعيّ المعادي للدّين ولا نختلف في ذلك.  وسوف أرجع -بإذن الله- وأحدّق في أعينهم… وربما أقول ماذا جرى لعقولكم وماذا حلّ بقلوبكم، وربما أُحيلهم إلى أحاسيس أمهاتهم، وربما لا أقول شيئاً وأتركهم إلى تعذيب الضمير.

د. مازن موفق هاشم

26-12-1433

10-11-2012

انظر مقال مختصر في الموضوع نفسه فيه تفصيلات مفيدة بعنوان: التشيُّع: التطور من فكرةٍ سياسيةٍ إلى فرقةٍ دينيّةٍ

الحاشية:

بحسب تفسير القرآن لعلي بن إبراهيم القميّ (ت القرن 4 هـ): “قال علي بن إبراهيم ثم حكى الله سبحانه قول الدهرية فقال: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } [7-8] والنور أمير المؤمنين عليه السلام.  ثم يروي عن أبي جعفر –وهو من الأئمة- قوله: “الأئمة من آل محمد صلوات الله عليهم إلى يوم القيامة، وهم والله نور الله الذي أنزل وهم والله نور الله في السماوات والأرض”.  أما التبيان الجامع لعلوم القرآن للطوسي (ت 460هـ) فيقول: “{ فآمنوا } معاشر العقلاء { بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } وهو القرآن سمّاه نوراً لما فيه من الأدلة والحجج الموصلة إلى الحق فشبَّه بالنور الذي يهتدى به إلى الطريق { والله بما تعملون خبير } أي عليم.”  ونجد التفسير نفسه في مجمع البيان للطبرسي (ت 548 هـ)، قال { فآمنوا بالله } معاشر العقلاء { ورسوله } أي وآمنوا برسوله { النور الذي أنزلنا } يعني القرآن، سماه نوراً لما فيه من الادلة والحجج الموصلة الى الحق فشبهه بالنور الذي يهتدى به على الطريق { والله بما تعملون خبير } أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه خافية منها.  وإذا انتقلنا إلى تفسير الصافي في تفسير كلام الله الوافي للفيض الكاشاني (ت 1090 هـ) فنجد أنه يدرج معنايين إذ يقول: “قيل يعني القرآن، والقمّي النور أمير المؤمنين عليه السلام.”
أما تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة للجنابذي المتوفي في القرن الرابع عشر هجري فيورد مناقشة فلسفية صوفية ويقول فيها “وفسّروا النّور بالامام قبل الاتّصال بالامام” ثم يقول “فان لم يظهر عليكم الامام بصورته الملكوتيّة فلا أقلًّ من ظهور الرّذائل والخصائل بنوره ولا أقلّ من إدراك قبح الرّذائل ثمّ الانزجار منها وإدراك حسن الخصائل ثمّ الرّغبة فيها والطّلب لها”.  وأخيراً، في الميزان في تفسير القرآن للطبطبائي (ت 1401) نرى عودة إلى التأكيد على أن النور هو القرآن المنزل، إذ يقول: “قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير } تفريع على مضمون الآية السابقة أي إذا كنتم مبعوثين لا محالة منبئين بما عملتم وجب عليكم أن تؤمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزله على رسوله وهو القرآن الذي يهدي بنوره الساطع إلى مستقيم الصراط، ويبين شرائع الدين”.

Tagged: , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s