الأجهزة النوعية و النوع الإنساني

أخبار الخسارات العسكرية لقوات الطغمة الحاكمة في الفترة الأخيرة لا يمكن أن تفوت مراقب.  واعتماد النظام الحاكم على القصف يكاد لا يكون له قيمة عسكرية من ناحية الحسم، وإنما هو انتقام من المدنيين بالدرجة الأولى، وتدمير لمستقبل سورية وتعويق لنهضتها وتقليص لدورها الإقليمي، إلى جانب ما فيه من تعسير لحركة المقاومة المسلحة وتبطيء قدوم أجل محتوم.

استخدام الطائرات الحربية ضد المدنيين أمر محرم دولياً.  والدليل على قصف أماكن مدنية بحتة دليل قطعي، ولقد شمل المنازل والمستشفيات بالإضافة إلى المخابز، وذلك على سمع العالم وبصره.

ويجري تحجّج القوى الدولية تجاه رفضها تزويد المقاومة السورية بأسلحة نوعية إلى أن مردّه الخوف من أن “تقع في الأيدي الخطأ”.  عند أكثرنا هواتف جوالة، ونعلم أنّ شركة الهاتف التي تزوّد خطّ الاتصال يمكنها توقيفه ليتحوّل الجهاز إلى قطعة معدن وبلاستيك لا فائدة منها.  الأسلحة المحمولة على الكتف المضادة للطائرات يجب أن تعتمد فيما تعتمد عليه تقنياتٍ من نوع تقنية الموضع الجغرافي للهواتف الجوالة، بالإضافة إلى أنّ لها (كود) تشغيل؛ مثلها مثل كثيرٍ من الآلات في المجال المدني.  ومعنى ذلك أنه يمكن تعطيلها.  كما أنّ طلقات هذا النوع من السلاح ليست متوافرة في السوق السوداء.  وكلّ ذلك يعني أنّ الدولة المانحة يمكنها الحيلولة دون إساءة استخدام هذا السلاح من خلال التعطيل ومن خلال عدد الأعيرة التي تُعطى للمقاومة المسحلة.  وإسقاط الطائرات أصبح يوثق بعناية بتسجيل صوت وصورة، ويمكن عدّ الطلقات المستخدمة.

بناء على ذلك، يبدو أنّ الإمساك عن التزويد بالسلاح النوعي من قِبل القوى التي تملكه هدفه أيضاً هو المدنيين.   ويجري القول عادة أنّ في ذلك مصلحة شركات الإعمار الدولية.  غير ثمة هدف لا يتعلق بالإثراء من الحروب.  هنالك هدف حيوي في كسر إرادة الشعب السوري.  الثورة السورية بالمنظور العالمي شديدة الاستقلالية.  نعم، تلقّت مساعدات من المتعاطفين معها، ولكن خلاف ذلك اعتمدت على نفسها تنظيماً وإدارة وعدة وعتاد، واستطاعت بما عندها من إمكانيات متواضعة أن تحدث زلزالاً إقليمياً وصلت آثاره إلى البلدان المجاورة لدرجة تهدّد التوازن الإقليمي الذي كانت قد تأقلمت معه القوى الدولية.  بالمنظور العالمي، الثورة ينبغي أن ترّوض، وعسى السماح باستمرار القصف يقنعها أن تخضع وتقبل بشروطٍ تخفّف من خسارة القوى الدولية نتيجة تحرّر أرض الشام.

ويمكننا أن نضع المعادلة على نحو آخر.  تقدّم الثورة وتحقيقها لإنجازات فاصلة يجعل تركها لوحدها غير مرغوب به دولياً.  فلقد مضى الوقت الذي ظُنّ فيه أنّ الثورة غير قادرة على اجتراح مناطق وإلحاق الخسائر بالجيش النظامي المدجج بالسلاح، كما مضى قبل ذلك الوقت التي ظُنّ فيه أنّ الثورة سوف تنطفئ…  وكل ذلك يعني أنّ القوى العالمية لا تستطيع تجاهل الثورة السورية، لا من جهة قلع رؤوس النظام فحسب، ولكن أيضاً من جهة تغيير المنظومة الأمنية؛ وهو الأمر الذي تسعى القوى الدولية إلى الحيلولة دونه.  ولذلك تبدّل الموقف الدولي وصار لا غنى عن القبول بالمحاولات الوطنية للتشكّل السياسي ورعايتها لتأمين نافذة يتمّ من خلالها الضغط على هذا التشكيل وجعله يتراجع عن ثوابت الثورة.  وتجاه ذلك، ما زال السماح للطيران الغاشم بالقتل والتدمير أمر حيوي بالنسبة للقوى الدولية: (1) ففيه الضغط على أعصاب الجسم السياسي للثورة الذي يشعر أنه مسؤول عن رعاية من يتكلّم باسمهم، ويجعل إنجازاته الإدارية –الضروررية- كأنها لا قيمة لها؛ (2) وفيه تيئيس للثورة على الأرض وتخويف من تأييدها بسبب بالنكبات التي ستحلّ بالناس بأرواحهم وبيوتهم ومرافق بلدتهم؛ (3) وفيه وضع لإسفين تفرقة بين الثورة والجسم السياسي في الخارج من خلال التشكيك في فاعليته وفي الذي يمكن أن يقدّمه.

التشكيل السياسي والتحامه الكامل مع الثورة على الأرض ضرورة وطنية لا شكّ فيها.  وليس من شيء يضغط على التشكيل السياسي مثل حرمانه من أول ما تطالب به الثورة: الحماية من انتقام النظام الذي أصبح يتركّز في القصف الذي ينال الأطفال والنساء والشيوخ ومأوى الناس ومستطبّاتههم وموارد مأكلهم… وكلّ هذا هو جرائم في حقّ الإنسانية تدركها الفطرة ولا تحتاج إلى قانون دولي يؤكدها أو ينفيها…

لقد اكتفت المناقشة أعلاه بأمثلة عن سلاح نوعي.  غير أنّ هناك أجهزة نوعية أخرى لها أثر كبير في تخفيف الخسائر وفي تمكين الاقتراب من الحسم، وعلى رأسها أجهزة الاتصالات التي ترصد وتُنذر.  وهذه أيضاً ليست خطيرة إذا وقعت في “الأيدي الخطأ”.

ولذا يصحّ القول إنّ الحرمان من الأجهزة النوعيّة هو اعتداءٌ على نوع الإنسان!

مازن موفق هاشم
25/11/2012

Tagged: , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s