جَعَلهُ اللهُ ائتلافاً مُعاذاً

1 محرّم 1434

انهالت النصائح الموجهة للائتلاف الجديد ولشخص رئيسه بالتحديد.  احذر كذا، وإياك كذا، وإذا حصل كذا فعليك أن تقوم بكذا…  اللافت للنظر في الأمر أنّ الذين وجّهوا نصائحهم المسدِّدة يعرفون أنّ معاذاً يعرف ما ينصحون به ويثقون بأنّ العهد الذي قطعه على نفسه قبل أن يسمع نصائحهم هو الالتزام بما تضمنت هذه النصائح.  فالأمر هو أشبه بنصيحة الأهل والأحبة الذين تدعوهم غيرتهم وثقتهم أن يكرّروا النصائح.

ولكن ما هو سرّ الارتياح الشعبي الكبير لهذا الائتلاف ولشخص رئيسه؟  معاذ شخصية معروفة لدى شرائح واسعة من المجتمع، والذي لا يعرفه ويسأل عنه يجد فيه ما ينطبق مع خيالٍ ثقافي يجلّه.  سرّ رئيس المجلس ليس في شخصه فحسب، وإنما في منهجه.  فهو منهج الصدع بكلمة الحقّ عند سلطان جائر (بل عند نظام قمعي مجرم لا حدود لإجرامه)؛ وهو منهج الحكمة والموعظة الحسنة؛ وهو منهج العمل بسنّة التدرّج وإدراك سلّم الأولويات، وهو منهج الانفتاح ووزن الأمور بوزن مقاصد الشريعة لا حروف الفقه؛ وهو منهج الالتزام الإسلامي غير المؤدلج وغير المرتبط بتنظيمٍ معيّن، وهو منهج الوسطية واحترام الرأي الآخر ورفض التخوين؛ وهو منهج الالتزام الوطني والجدّية في الانفتاح على مكوّنات المجتمع والتعايش معها…

الثورة السورية هي ثورة الحرية والكرامة، وهي ثورة استعادة الهوية الحضارية العربية المسلمة للوطن؛ وقد استعادتها.  والمنهج الموصوف أعلاه هو الذي يتناغم مع هذه الهوية الحضارية.  منذ نحو خمسين سنة لم يسمع الشعب السوري بسملة من مسؤولٍ سياسي، بل اعتادوا سماع الكلمات الطنانة أمثال “رفيق”؛ وهم يعلمون أنّ بعض الرفقاء سُــحلوا سحلاً في يوم من الأيام؛ وها هو النظام يحاول سحل البلد كلّه.

ولا أريد التركيز على شخص فحسب، فأربعة قيادة الائتلاف أيضاً يمثلون توجهات يجلّها الشعب: الوطنية، الاعتدال، والبُـعد عن الأدلجة…

في ثقافتنا خصلة أسميها خيال صلاح الدين.  وهي صورة مبالغة لرجل فردٍ يستطيع أن يستنهض الناس ويهزم الجموع المتآمرة.  وصلاح الدين هذا يجمع الخصال الحميدة كلها.  فهو أمين يتصف بأخلاقيات عالية وصلت إلى حدّ التسامح مع أعدائه.  وهو شهمٌ قويٌ مقدام… وهو الكرديّ صاحب النظرة البعيدة الذي أنشأ المدارس التي تؤكد الهوية الحضارية المسلمة للأمة.  وكم سمعتُ من أناسٍ يقولون إنّ سورية تحتاج إنساناً مثل مصطفى عبد الجليل، مستلهمين التجربة الليبية.  فها قد جاءنا من يستطيع أن يلعب دوره.

وجود القائد الملهم الذي يستنهض الناس ويخرجهم من هوامش العطالة إلى ساحة الفعل مهم جداً.  غير أننا نعرف أنّ حجم المهمة يحتاج إلى جهود ضخمة من العديد من الناس، ونعرف أنّ تعقّد الأمور في حياتنا يحتاج إلى عمل مؤسسات.  وهذا ما نتوقع أن يلتزم به الائتلاف.  فالصفات الشخصية غير كافية للنجاح وإنما هي مطلب أول للثقة بالقيادة.

قبل فترة كتبت على صفحتي في الفيسبوك التعليق التالي:

ثلاثة رددن المجلس الوطني إلى قريب من أسفل السافلين:

– أنانياتٌ استحكمت بالمعارضة التقليدية في المجلس التي حسبت أنّ تاريخ نضالها يؤهلها لرياسة بدون منازعٍ أو مشاركٍ أو عملٍ احترافي.

– وأولوياتٌ القوى الدولية التي أساءها تمسّك المجلس بثوابت الثورة وإعلانه أنّ أي اتفاق دولي عقده النظام بعد منتصف آذار غير معتبر.

– وتوقعاتٌ حالمة من الداخل الجريح تجاه قدرة المجلس على استجلاب القوى الدولية لتدمّر آلة النظام.

هذه الأوجه الثلاثة ما زالت هي مفرق النجاح أو الفشل، فهل سينجو الائتلاف من مزالقها؟  وسأبدأ بمناقشة هذه المسائل الثلاث بعكس الترتيب المذكور.

التوقعات والأمل و مرارة الصبر

قدرة الائتلاف على الإنجاز محدودة، ولا مفرّ لنا من أن نوازن بين ما نتمناه وبين ما هو ممكن فعلاً.  ليس لدى الائتلاف قوة يوقف بها القتل والتدمير.  ليس هناك فرقة وطينة تستطيع ثني عزم الطغمة الحاكمة عن تدمير البلد تحت وهم خمد الثورة ولخدمة أغراض معروفة.  بل ربما يصعّد النظام في التخريب ليزرع خيبة أملٍ جديدة في القلوب.  الدول المعنية بالقضية السورية ما زالت تملك مفتاح المساعدة النوعية، ولا أحد يملك إجبارها على تزويد المقاومة المسلحة بما يحلم به.

نعم، خطورة الوضع ليست كأمر انتخابات عادية جاءت بإدارة جديدة نعطيها 100 يوم للاختبار، وهل يستطيع الموت انتظار مئة يوم، وهل يتستطيع أنين الجرح انتظار مئة يوم، وهل يستطيع برد الشتاء التأخر مئة يوم… ولكن المئة يوم تعطى عادة لإدارة دولةٍ فيها مؤسسات قائمة، فكيف لمن ليس عنده مؤسسات.  وكيف ذاك ونعلم أنّ الوعود سوف لا يوفى أكثرها أو تقرن بشروط غير مقبولة.

توقيت الدول الداعمة أو التي تعد بالدعم يختلف عن توقيت المعاناة في المدن والبلدات والقرى.  تركيا استفاقت لحقيقة أنها لم تستثمر كفاية في تجهيزاتها العسكرية مقارنة بإيران.  ولذلك رفعت ميزانيات السنة القادمة في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات بمقدار 16.3% لتصل مجموعها إلى 45.3 مليار دولار بالتفصيل التالي: ارتفعت ميزانية الدفاع لسنة 2012 بمقدار 11.8% لتصبح  11.25 مليار دولار في 2013؛ وارتفعت ميزانية مجلس الأمن القومي من 7.3 مليون دولار إلى 10.5 مليون دولار؛ بالإضافة إلى ارتفاع في ميزانيات كل من الأمن العام ووزارة الداخلية والحرس والشرطة وخفر السواحل.  وعلاوة على ذلك، عرضت أنقرة مناقصة بمقدار 4 مليارات دولار للحصول على صواريخ مضادة للصواريخ بعيدة المدى، وتتسابق على هذا العرض الشركات الإيطالية والروسية والفرنسية والصينية والأميركية والإسرائيلية.  هذه ميزانيات السنة القادمة، مما يعني أن تركيا لا تشعر أنها جاهزة تماماً.

الولايات المتحدة الأمريكية التي اكتفت في السابق بالجهد السلبي المتمثل في الحصار الديبلوماسي والتضييق الاقتصادي على إيران تقول إنها ستدعم العناصر العلمانية الموثوقة من الجيش، وما زالت في فترة (التعرّف) على هذه المجالس.

تدفّق السلاح النوعي لا يأتي إلا مع شروط، ويأتي بقدر التغيير الذي يحبّ مالكوه أن يحدث.  وإنّ من الأسباب التي سبّبت منع الدعم الذي يساعد على الحسم هو الاستقلالية الكبيرة للثورة السورية.  لقد مضى عشرون شهراً والثورة تقوم بجهدها الذاتي إلى حدّ بعيد، ومعظم ما أتى من مساعدات مالية أتى من تبرعاتٍ أهلية غير حكومية، ومعظم السلاح أتى من الغنائم، والسلاح الخفيف متوافر في الأسواق على كل حال.  ولذلك فلعله يمكن التأكيد على أنّ عدم الاكتراث بالتدمير الممنهج للبلد ليس مردّه فقط هدف إضعاف البلد ولا تطلّعات الشركات العالمية للإعمار ، وإنما أيضاً (تأديب) الثورة وترويضها وكسر اعتزازها بنفسها.

أولويات الدول الداعمة

بنود اتفاق الائتلاف الوطني التزمت بثوابت الثورة كما كان الأمر في مسلك المجلس الوطني، واتهام المجلس بغير هذا لا يصحّ.  ففي هذه المرحلة من الوعي السياسي، ينبغي أن يكون قد اتضح الفرق بين التفاوض والحوار، أو بين قبول مبدأ التفاوض وقبول شروطه.  محض قبول التفاوض ليس قبولاً للدنيّة في وطننا ومبادئنا، فالعبرة بما ينتهي به من شروط.  وما أثير يوم تفاوض المجلس الوطني مع أطيافٍ أخرى من المعارضة كان زوبعة، وإن كانت الطريقة التي جرى فيها التفاوض خالفت أصول التصديق.

ويمكننا القول أنّ ثمة تطابق كبير بين أولويات دول الخليج وتركيا والقضية السورية.  وإذا كان إزالة النظام السوري الحالي يخفف ضغط كابوس إيراني مهدّد لدول الخليج، فإنها تعني أيضاً انفتاح التأثير التركي على المنطقة العربية بأجمعها، إلى جانب فكّ الطوق الإيراني بانهيار طرفه الغربي.  وصحيح أنّ هذا يفتح صفحة جديدة في العلاقات الكردية التركية، لكن لعل أنقرة تجد أنها فرصة مواتية للتقدّم في هذا الملف المستعصي على حكومة العدالة والتنمية، وأنه يمكن أن توظّفه لصالحها مقابل الأحزاب القومية التي ترفض حلحلة القضية الكردية مستخدمة إياها أداة ضغطٍ سياسية ضدّ العدالة والتنمية.  وهذا بدوره يسمح باعتمادٍ أكبر على نفط السعودية والخليج بالإضافة إلى نفط العراق، وبذلك تصبح تركيا أكثر استغناء عن نفط روسية، أحد أهم مصادر الطاقة لتركيا.

مجموعة الدول الأُروبية مختلفة فيما بينها كالعادة، ومصالحها متفاوتة إلى درجة التعارض.  ألمانية الرئيسة لا تتوقع أن تستفيد كثيراً من تغيير في سورية، وإن كانت جهات سورية تتودّدها لتساهم في إعادة بناء الاقتصاد.  وتعتمد ألمانية في طاقتها على روسية، ولا يبدو تغيير في سورية أكثر من إزالة صورة الأسد أمراً يعنيها.  فرنسة التي تحرص على كسب صيت المبادر الأول هي نفسها أكثر من يكرّر نواح حقوق الأقليات، وهي من عهّدتهم زمام البلد إبان استعمارها.

الولايات المتحدة الأمريكية أفصحت عن رغبتها الأكيدة في تغييرٍ ما في سورية وأنه يصبّ في مصلحتها، غير أنه ينبغي وضع هذا ضمن إطار استراتيجيتها الخارجية العامة.  الولايات المتحدة الأمريكية ليس عندها رغبة أبداً في أن تلعب دور الشرطي العالمي، وهي تحاول سحب نفسها من أفغانستان على نحو يحفظ ماء الوجه، كما أنها ليست مستعدّة أن ترصد ميزانية كبيرة للأزمة السورية في سنين انحسار اقتصادي.  وربما الأهم من ذلك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية غير متأكدةٍ إذا كان التغيير الجذري المكلف يحقّق مصالحها أكثر من تغيير جزئي، أو أنه يستأهل الصرف عليه نسبةً إلى عوائده.  وعموماً، اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بما يسمى الشرق الأوسط قد تراجع، كما تراجعت القيمة الستراتيجية لإسرائيل بالنسبة لها، وحلّ محلّ ذلك الاهتمام بالصين ومسرح غرب المحيط الهادي وجنوب آسيا.  وتتواتر أنباء التنافس على بحر الصين الجنوبي الذي يصل غرب المحيط الهادي بالمحيط الهندي، والذي تمرّ فيه 90% من البضاعة التي تُنقل من قارة إلى أخرى عن طريق البواخر، ونصف أطنان التجارة العالمية، وثلث القيمة المالية لهذه التجارة.

التعويق الروسيّ على جهود الآخرين لا يكلّفها كثيراً إلا سمعة هي مشهورة بهدرها، وتعرف روسية تماماً أنّ عامة أهل سورية والعرب والمسلمون ليس فقط لا يحبّونها، بل يبغضونها بغضاً شديداً وليسوا في غرامٍ لا مع ثقافتها ولا مع منتجاتها.  وروسية تحسّن علاقتها مع إسرائيل، وفي هذا الشهر سمحت عند زيارة شمعون بيريز لها إنشاء “المتحف اليهودي ومركز التسامح”، وهو الأكبر في العالم.  والتلويح ببيع صواريخ إس 300 لسورية (وهي نفس الصواريخ التي تسعى تركيا للحصول عليها بالإضافة إلى إس 400)، هو من أجل رفع كلفة استباقيٍّ لأي تفكيرٍ في إجراءات خشنة قد تخطّط لها الولايات المتحدة الأمريكية، مما يُقنع واشنطن مشاطرة النفوذ في سورية تاركة الانحياز البطيء لسورية بعيداً عن الروس بفعل العوامل الثقافية.

إسرائيل لديها حساباتها الخاصة، وصحيح أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة بحمايتها من أي أذى بالغ يهدّد وجودها، إلا أنّ هناك أولويات متفاوتة بينهما في الأمور الجزئية.  الذي عليه اتفاق ضمني أنّ التغيير في سورية الأرجح أن يُترجم ميزة استراتيجية كبرى لتركيا، لا ترتاح إليها إسرائيل خصوصاً ولا ترتاح إليها المجموعة الأُروبية كثيراً. لذا فالتفضيل في محصّلة الأمر هو الحفاظ على توازن إقليمي بين تركيا وإيران.

المشترك بين القوى الدولية، باستثناء تركيا، أنها تفضّل ترتيبةٍ يظلّ فيها للأقلية ذات الحجم الكبير، أي الطائفة الحاكمة من “العلويين”، نفوذ قوي في الأمن والجيش بحيث يكون الاستقرار في سورية استقرار قلقّ يمكن العبث به وقلقته عند اللزوم.

العمل الاحترافي

هذا هو الصعيد الأكبر الذي يمكن للائتلاف أن يتقدّم فيه نسبة إلى البعدين الآخرين المرتبطين بالدول الأخرى وبظروف لا يملكها.  ويعترف المجلس بأنّ أداءه كان ضعيفاً برغم ما أنجزه، ولم تتمّ إعادة هيكلته على نحو (شفّاف) إلا عندما شعر أنّ هناك بديلاً عنه؛ والذي نتج عن الانتخابات أسرّ الحراك الداخليّ لتمثيلٍ أفضل للحراك الثوري وللصبغة الإسلامية وأساء القوى الدولية، إلى أن تدارك المجلس الأمر بتعيين جورج صبرا –الشخصية المميّزة التي لم تفز بمقعدٍ في الأمانة العامة من خلال الانتخاب – رئيساً للمجلس على نحوٍ توافقي.  وإذ لم يتميّز سلوك المجلس بالحِرفيّة العالية، فإنّ من أبرز ما أهمله كان الناحية الإعلامية إلى درجة بخست حقّه فيما قام فيه فعلاً.  ومن المبشّر بالخير أنّ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية افتتح صفحة فيسبوك من أول يوم له.

وقد يقال إنّ المجلس الوطني يشكّل نحو نصف أعضاء الائتلاف حيث أنه ممثَّلٌ بالثلث رسمياً وأدخل أعضاء آخرين تحت أسماء تكتلات أخرى، وبذلك ينقل عطالته إلى الائتلاف؛ وفعلاً الذين ضمّهم الائتلاف منهم الجادّ النشط ومنهم من لم يُعرف عنه الفاعلية.  ولكن ليست العبرة بمجرد الانتماء للمجلس الوطني، فالذين كانوا وراء المبادرة هم أعضاء في المجلس الوطني أيضاً.  الذي يهمّ في شأن المجلس هو التكتلات داخله، أي التوجهات السياسية المكوّنة له. كما أنّ الصيغة التوافقية ليست هي أساس المشكلة، لأن الانتخابات سوف تنتج ما يشبه نتائج التوافق؛ ولو أُعيد النظر في الصيغة التوافقية في المجلس الوطني بعد وضوح طبيعة الساحة الثورية والعاملين فيها لأنتج شيئاً قريباً مما أنتجه الانتخاب الأخير، بل أقل شمولاً.  والائتلاف الذي جرى توافقياً ضمّ 14 مجلس محلي، وفيه حضور كردي وتركماني أكبر مما كان عليه في المجلس الوطني، وفيه شخصيات معارضة أخرى، فهو بلا شكّ أوسع تمثيلاً من المجلس الوطني.

ما يهمّ في المنظمات هو العقد المضمر لا مجرد البنية الشكليّة.  وجزءاً من العقد المضمر في سيرورة المجلس الوطني كان ما يمكننا أن نسميه (المقام السياسي).  فحركة المجلس الوطني لم تعتمد القيام بالواجب مقياساً للعمل وإنما المنزلة الاعتبارية، ففي عيون كل فريق أنه هو المعارضة الحقيقية: فاليسار يعتبر نفسه المناضل الأبديّ لأنه عدوّ الإمبريالية المسيطِرة عالمياً؛ وجماعة الإخوان تعتبر نفسها أنها أحسن ممثّلٍ سياسيّ للمسلمين الذين كانوا هم الضحية الحقيقية للأنظمة البعثية والطائفية التي أول ما استهدفته كان التديّن الذي يغادر الصومعة.

ما يميّز المبادرة التي صاغتها جهودٌ ومنظمات وطنيةٌ والتي نتج عنها تشكيل الائتلاف، هي أنها تحرّرت من المناكفات الإديولوجية وركّزت على الممكن السياسي واستطاعت إقناع قطر وتركيا بنجاعتها وتمسكت بثوابت الثورة بآن واحد.  ويشعر المرء بالراحة أنّ وثيقة القاهرة التي أُقحمت من الخارج في آخر لحظة لم تجرِ الإشارة إليها في بنود الاتفاق التي التقى عليه فرقاء الائتلاف الوطني، وكانت هذه نتيجة التعاون الجماعي الذي فيه تمثيل للحراك الداخلي.  وفي حين أنه من الصعب التحديد الدقيق للرسالة المضمرة في تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية، إلا أنّها تُصنّف في باب التشكيك وسلب الشرعية الوطنية، وهي ضربة مزدوجة لكلٍّ من المجلس الوطني والائتلاف المزمع إنشاؤه في ذاك الوقت.

المهمات الملقاة على عاتق الائتلاف مهمات عظيمة مليئة بالتحديات، ولا يمكن لأشخاص مهما علت قدراتهم أن يفوا بها على وجه الكمال.  والمناخ الجديد يُتوقع له أن يسمح للائتلاف بأن يكون قادراً على العمل والإنجاز.  ويرجى أن تتمّ الاستفادة من خبرات الجالس الوطني والجهود المتراكمة لبعض مكاتبه التي أثبتت فاعليتها، ولا بدّ من تقوية الروابط العرضية بين المكونات الجديدة للائتلاف وحفز روح العمل كفريقٍ واحد.

ولذا لا مناص من أن يكون عند فصائل الثورة جميعاً، المقاتل في الوغى والعامل في الخدمات والمناصر عن بُعد والمحبّ الخائف، قناعة كاملة بأنه من غير تشكيل سياسي متماسك –ولو استلزم وقتاً- لا يمكن للقوى الدولية دعمه.  بل ستحول هذه الدول دون الحسم أو الحسم الجزئي ما لم يتمّ بلورة هذا التشكيل.  فليس هناك من دولة مجاورة يسرّها أن تكون القوى المجتمعية لجارتها الممتلئة عنفواناً متروكة لشأنها لا يربطها رابط ولا تخضع لسلطة مسؤولة.  ولْنفترض أنه أمكن الخلاص من النظام من خلال العمل العسكري وحده، هل المصلحة الوطنية أن يجد البلد نفسه تحت إمرة كتائب ومجالس متعدّدة ومتفرقة؟  أولوية التشكيل السياسي وانضواء الفرق المسلحة تحت إمرته أمرٌ بدهي.

الذي يُطمئن في التطورات الجديدة ليس هو ديمقراطية الدول الكبرى وإنما قناعتها أنها إن لم تبذل أيّ مساعدة عند هذه النقطة المتقدّمة من الثورة فإنها ستفقد التأثير في المستقبل، وسيكون هناك احتمال لتصاعد الآثار الجانبية للثورة السورية إلى درجةٍ تسببّ عدم استقرار إقليمي واسعٍ لا يمكن التنبؤ بحدوده وأين ومتى سيقف.  والدول المعنية تبدو مستعدة لتسهيل التشكّل السياسي بعد أن صار لها بعض الاتصالات المباشرة مع التنسيقيات المحلية والمقاومة المسلّحة، وبدورها ستردك هذه القوى المحلية (الحراك الداخلي) صعوبة التحرّك في الخارج.

غير أنّ الذي لا يُطمئن هو أن الدول المعنيّة تحاول فرض صياغات دستورية دون تطلعات الثورة، وتسعى إلى إبقاء نفوذٍ غير عادلٍ للأقليات بحجة حمايتهم من الأذى؛ وباعتبار صعوبة الـمَهمّة وتداخل المصالح هذه الدول إلى الآن راضية بأقلّ من التغيير الجذري.  والذي يُخشى منه أيضاً أنّ التضارب في المصالح والتناقضات التي نشهدها عادة في الخطط الدولية -الأمريكية خاصة- وعدم تقدير مدى الأسى والرغبة في الإنصاف الكامل للشعب الجريح المنكوب يُفضي إلى تردّد في تنفيذ الخطوات العملية المناسبة، فيُفتح الباب أمام انفلات الأمر ودخول البلد في اقتتال بين الفرق المختلفة تموّل بعضها جهاتٌ إقليمية.

 العمل السياسي في الخارج الداعم للثورة لا يستطيع إنجاز شيء حاسمٍ إلا بقدر ما يناسب القوى التي تستدرّ منها المعونة.  والدول لا تساعد مساعدة المحسنين أصحاب الضمائر… ولا تدعم كرماً وعملاً صالحاً تدّخره لآخرتها…  الدول تدعم وتساعد عندما يصبّ ذلك بمصلحتها؛ وكلّ ما في الأمر أنه يوجد الآن مساحة مشتركة بين المصلحة الوطنية ومصالح هذه الدول، والفضل في ذلك يعود إلى التضحيات المجيدة للثورة ولصبرها العجيب في مرحلة المقاومة المدنية وفي المرحلة الحالية.  ولا يمكن تفعيل هذه المساحة المشتركة والاستفادة منها ما لم تكن المعارضة متماسكة تحدّد مساحات التقاء المصالح على نحو واضح، وبمرونة لا تصل حدّ التفريط.

والمفاوضة مع الدول الفاعلة هي استعراض للقوة من غير استعمالها.  والقوة التي يملكها الائتلاف تكمن في مدى مهنيّته ومدى شرعيّته في الداخل؛ أي أنه ما زال الإنجاز على الأرض في الداخل والتماسك بين فرقه المختلفة هو أساس في تمكين عمق التغيير.  ولكنه شرطٌ لازمٌ غير كافٍ.  ولقد مضت المرحلة التي يكون فيها الجسم السياسي مجرّد ممثل عن الحماس الثوري في الداخل، فالمعوّل عليه –إلى جانب الإنجاز على الأرض- هو تحقّق التبلور السياسي القادر على الإدارة المدنية والعسكرية والأمنية، والقادر على تشكيل حكومة مؤقتة وجهاز تنفيذي يُعتمد عليه.

وأصعب ما على النفس تقبُّله هو أنّ انعكاس الإنجاز على الواقع هو أبطأ مما يتحمّله واقعٌ يأنّ بالجراح والموت والتدمير والتشريد… فنسأله تعالى اللطف والبشائر المثـبِّـتة.

*        *        *

وبعد، فالرجاء من الذين يُسدون النصائح أن لا يكتفوا بالتحذير مما يعرفه كل إنسان، وأن يقدّموا مقترحات عملية تخاطب المعضلات المشار إليها في المقال.

وجعل الله الائتلاف الوطني مُعاذاً من التنطّع والتعجيز…

وجعل الله الائتلاف الوطني مُعاذاً من نقد الألسنة المحترفة…

وجعل الله الائتلاف الوطني مُعاذاً من التثبيط والإحباط…

وجعل الله الائتلاف الوطني مُعاذاً من الوسوسات الغشّاشة…

أعاذ الله الائتلاف الوطني من كل هذا وزيادة، وفرّج عن الأمة مصابها العظيم.

د. مازن موفق هاشم

15/11/2012

Tagged: , , ,

7 thoughts on “جَعَلهُ اللهُ ائتلافاً مُعاذاً

  1. saad 2012/11/17 عند 4:22 ص Reply

    تحليل عميق جامع أرجوا أن يستفيد من قرائته المشككون والممناعون وكذلك المتحمسون. شكرا د.مازن.

  2. Ahmad Al-Mrayati 2012/11/17 عند 5:46 ص Reply

    جزاك الله خيرا وزادك علما ونفع بك الامة

  3. حسام 2012/11/17 عند 10:49 ص Reply

    جزاك الله خيرا.

  4. ا 2012/11/17 عند 1:12 م Reply

    جزاك الله خيرا وفعلا اكثر ماكان ينقصنا في المعارضة هو الشخصية القيادية المتوازنة والمتواجدة على الساحة من وقت قريب والمقبولةمن جميع السوريين والشيخ المثقف المنفتح معاذ الخطيب بإذن الله لبى كل هذه الحاجة والتي نبحث عنها منذ البداية !!!!

  5. حسام قزيها 2012/11/17 عند 5:02 م Reply

    مقالة هامة جداً…ولك د.مازن كل الشكر عل كتابتها وتوضيح بعض المحاور التي كانت غائبة. المهنية والشرعية هما نقطتا القوة في الائتلاف والذي نرجو له ولرئيسه كل التوفيق والفلاح في المهمة الصعبة.

  6. Samir Twair 2012/11/17 عند 7:38 م Reply

    THANK YOU, MAZEN. YOU DID A BEAUTIFUL JOB.THIS SHOULD BE PUBLISHED SOMEWHERE IN ARAB NEWSPAPER OR MAGAZINE.

  7. Zafer Wafai, M.D. 2012/11/18 عند 7:47 م Reply

    Thank you so very much Dr. Mazen for this outstanding , insightful and comprehensive analysis of the present and future of the revolution ..I hope this article will fall on wise ears and somebody , somewhere will benifit from those pearls .. May Allah reward you … please keep our spirit up

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s