زوبعة الاتفاق

3/1/2012

كشفت زوبعة الاتفاق بين المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي التي قدّمت للأمانة العامة للجامعة العربية كوثيقة سياسية مشتركة خللين اثنين:

الخلل الأول هو طريقة اتخاذ القرار في المجلس الوطني

وهذا الخلل مقلق خصوصاً أنه أتى بعد إقرار المجلس الوطني لنظامه الداخلي في تونس. وندرك أن ظروف المجلس وإمكانياته لا يسمحان بالتشاور الكثيف مع كل أعضاء المجلس، ولكن لا بدّ لمثل هذه الوثيقة المهمة التي تدوالها الطرفان لمدة شهر أن تناقش على نحو ما، على الأقل في الأمانة العامة للمجلس إذا لم نقل الهيئته العامة المتناثر أفرادها في بلاد العالم.

وهل أخطأ المجلس الوطني في قراءة حساسية الحراك الداخلي، أم أنه جازف وحاول التجريب؟ ولو (سرَّب) معلومات عن هذا الاتفاق لربما لم يقع في الورطة. ومثل هذا التسريب من شأنه أن يساهم في تطوير الفهم الواقعي غير الحالم للمسيرة السياسية.

والأهم من هذا، تعكس زوبعة الغضب من الاتفاق أزمة وضع المجلس الوطني. فالمطلوب والطبيعي أن يطرح المجلس الوطني رؤية سياسية وخططاً تتانغم مع الثورة التي يمثلها، إذ لا يستقيم أن يقود الجسمُ الميداني العمليةَ السياسية. غير أن المجلس الوطني جسم توافقي وليس عنده إلى الآن شرعية ابتدائية تمكِّنه من الانحياز قدر أنملة عن مطالب الشارع، ولو كانت هذه المطالب غير واقعية ولو كان المجلس مقتنعاً تماماً أن الانحياز عنها هو بالتأكيد في مصلحة الثورة.

الخلل الثاني الذي كشفته الزوبعة هو إشكالية الوعي السياسي للثورة

اقتضت الحاجة السياسية وضغوط الدول محاولة الاتفاق مع هيئة التنسيق الوطنية. والثورة تقول لا حاجة لنا بهيئة التنسيق ولا نثق بها، فما هي إلا امتداد للنظام. ولكن منْ تطلب الثورة منه المساعدةَ يشترط هذا الاتفاق!

فإذا كانت محاولة الاتفاق قدراً سياسياً، المطلوب هو تفحّص الشروط والبنود. وهنا لا يُعقل أن يقال إنّ على هيئة التنسيق أن توافق على كل فكرة عند المجلس الوطني، إذاً لانضمت إليه ولم يكن هناك حاجة لأي اتفاق.

ونصوص الاتفاقات تكون عادة دقيقة، ولكن ربما تترك بعض الأمور من غير تحديد. غير أنّ المسكوت عنه متروك للاختلاف أو للمفاوضة في المستقبل، وليس غياب شيء معناه نكرانه بالضرورة.

ولعل البند الأول هو الذي أثار حفيظة البعض: “رفض أي تدخل عسكري أجنبي يمس بسيادة واستقلال البلاد ولا يعتبر التدخل العربي أجنبيا”. ولكن ألا يترك هذا البند الباب مفتوحاً أمام قبول تدخل عسكري لا يمس بسيادة واستقلال البلاد؟

الغضبة من الاتفاق لم تكن أول المطبات السياسية الكبيرة للحراك الثوري. وكنا نتحرّج من نقد الحراك الثوري احتراماً للتضحيات الهائلة التي يقوم بها. غير أنّ قصوراً في تقدير الممكن السياسي يزيد في حجم هذه التضحيات.

كان أول مطبٍّ سياسي للحراك الداخلي هو رفض فكرة المبادرة العربية. واضطر المجلس الوطني أن يتجاهل المبادرة علنياً، ووقع نتيجة ذلك في حرج ديبلوماسي بالغ مع قادة عرب بارزين تحتاج الثورة دعم بلادهم، ولكنه طار إلى القاهرة واجتمع مع الجامعة العربية التي فاجأت الجميع بمواقفها القوية. وبعد أن فرضت المبادرة العربية شروطاً جدية وأقرت سلسلة من العقوبات الاقتصادية، ارتاح الشارع وربما تبين له حكمة تصرّف المجلس الوطني. ثم عاد الشارع لغضبه من المبادرة بسبب تصرفات لجنة المراقبة. ألم تبدُ اللجنة العالمية لحقوق الإنسان مُعْرِضة عما تراه، ثم لما كتبت التقرير كان قوياً جداً.

لقد كان هناك ثلاثة مبررات راجحة للقبول المبدئي بالمبادرة العربية (مع رفض الحوار حتى يتمّ تحقيق شروطها على الأرض، تلك الشروط التي نعلم مسبقاً أن النظام لن يلتزم بها): أولاً: المصلحة الوطنية السورية أن تبقى الجامعة العربية عنواناً ومدخلاً لأي تدخل أجنبي لحماية المدنيين. ثانياً: تقليل تردّد الخائفين في سورية أو إقناعهم بأنه ليس هناك حلولاً وسطاً ذات معنى وأنه لا بديل عن إسقاط النظام. ثالثاً: نزع الحجة من يد الحفن المتعاطفة مع النظام والتي تتمسك بأطروحة التآمر الخارجي.

وأخيراً، ومع الاعتراف بأن أي نص يمكن أن يُساء تأويله، أشير إلى أنّ مما حوته وثيقة الاتفاق البنود التالية: “حماية المدنيين بكل الوسائل المشروعة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان”، و “نعتز بمواقف الضباط والجنود السوريين الذين رفضوا الانصياع لأوامر النظام…” و “تبدأ المرحلة الانتقالية بسقوط النظام القائم بكافة أركانه ورموزه…”.

وباعتبار أن كثيراً من الناس غضبوا ولم يقرؤا نص الاتفاق، فهناك مشكلة في منهجية اتخاذ القرار عند عامة الشعب كشفتها أيضاً محاولة الاتفاق هذه.

Tagged: , ,

One thought on “زوبعة الاتفاق

  1. […] يوم تفاوض المجلس الوطني مع أطيافٍ أخرى من المعارضة كان زوبعة، وإن كانت الطريقة التي جرى فيها التفاوض خالفت أصول […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s