ميلاد أمة-3: النزعة القُطْرية

عرض الفصل الثاني توجهين نحو مسألة العروبة، الأول عروبيّ مسلمٌ والآخر قوميّ محض طاردٌ للخصال الإسلامية في خلفية الأمة أو ضائقٌ بها ومستبدلٌ لها بخصالٍ حداثية أروبية.

وبرغم أنّه في بادئ الأمر اجتذبت القومية العربية ومفاهيم الوُحدة النخبَ المستغرِبة والطوائف بعد الانفراط العثماني، حيث وجدت فيها بديلاً مقبولاً عمّا تكرهه وتمجّه، فإنها فيما بعد انتكست قُطرياً بعد أن وجدت أنّ الصيغة العربية سوف تغمسها مرة ثانية في بحرٍ عربيٍ مسلم؛ والنبرة القُطْرية مستمرة إلى اليوم.

 

والخطاب القُطْري الحداثي مشوَّش و مشوِّش، إذ يهزأ أو يشككّ بالهويات العابرة للحدود ويفترض أنّ الهوية الحضارية المسلمة نافيةٌ للإخلاص للوطن وللالتزام بأولوياته.  ولكن هذين الأمرين مختلفان لأنهما يتحركان في فضائين مختلفين: فضاء الأول هو المخيال الدافع، وفضاء الثاني هو البرنامج العملي.  فالخلفية الحضارية هي التي تؤطر حركة الأمة –أي أمّة- كما هي مستودع لمكامن قوّتها وعناصر تماسكها.  وعندما نقول خلفية حضارية فإنّ المصطلح بعينه ينفي مفاهيم الانغلاق وإن كان يستصحب معاني الاستمرار.  وتحديداً، عندما يقال بالخلفية الحضارية المسلمة للشعوب العربية فإنّ ذلك لا يعني الفقه الإسلامي أو أركان الإسلام الخمس، وإنما هو تصوّر عام للحياة والكون ونمط للعيش والتعايش.  أما البرنامج العملي فيتحرّك حُكماً في فضاء وطنيّ بحت، إذ يسعى إلى إصلاح واقعٍ مخصوصٍ بحدودٍ وجغرافيةٍ وثقافةٍ محلية.

ومما يزيد في إشكالية الطرح القُطْري أنّه يستند تحقيق أمانيه إلى الفلسفة الوضعية التي كانت يوماً تؤكّد بأنّ ثمة طريق واحدة للـــ (تقدم)، وهي الطريقة الأروبية بل والفرنسية خصوصاً، ولذا تكثر في هذا الخطاب عباراتُ وخيالات (اللحاق) بالغرب.  ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللوثة الحداثية لم ينجُ منها أحدٌ، فحتى الذين عارضوها كهدفٍ نهائي تماهوا معها على نحو أو آخر وبدرجة ما.

والاتجاه نحو رابطةٍ قُطْريةٍ خالصةٍ فحسب، وهو الذي تميل إليه أقليات بلاد الشام على أنه مربط خيل النظام الديمقراطي، فيه ذهولٌ عن أنّ التنمية والظهور وتمكّن الأمم وعلوّها لا يحدث إلا عندما يحصل التواؤم بين البُعد الثقافي والبُعد البنيوي، بحيث يخدم الهيكلُ الماديّ سكانَه البشر الذي يتنفّسون هواءاً ثقافياً واحداً ويشربون ماءه ذا الخصائص المتميّزة.  وحتى إذا تناسينا الثقافي، فإنّ تحدّيات العولمة على المستوى الجيوسياسي بما في ذلك الاقتصادي، تدعو بداهةً إلى أهمية ما يتجاوز القُطْري بحدوده العازلة.

ولا بدّ هنا من الاعتراف بأنّ التوجّه العام المتمسّك بما هو أشمل من القطر، وإن كان يقول بالاستقلالية التامة للدولة السورية، ليس عنده وضوح في تحقيق هذه الرؤية عملياً.  والأكثر إشكالاً من ذلك هو أنّ بعض ما يستبطنه هذا التيار من آلياتٍ هو متمركز في الدولة القُطْرية الحديثة على نحو يتناقض مع السعة التي يتمنّاها أو يدعو إليها.  كما أنّ بعض دعوات السعة لجهاتٍ إسلامية لا تخلو من الضبابية، وقد تصل إلى حدّ الاصطدام مع الواقع العالمي.  كما أنه يكتنف المزاج العربي عموماً اختلاطُ فهمٍ في الآليات التي تحقّق ما يريد من التنوّع المتمركز في الخلفية الحضارية المشتركة.  وما إساءة فهم معنى اللامركزية و الفدرالية إلا دليلٌ على هذا، ولقد ساهمت الحالة العراقية خصوصاً في إساءة الفهم هذا الموضوع.

وربما علينا أن نعذر المجموعات القومية والنخب حين لا ترى مكاناً آمناً لها في الترتيبة الجديدة التي تتخيّلها بعض التيارات الإسلامية، وحين تشعر أنّ التجذّر الإسلامي يمكن أن يتأسّس على نحو عدائي وليس على نحوٍ حضاري يتّسع للتعدّد.  وذلك لأنه تظهر التيارات الإسلامية الحركية عدم استقرارٍ فكري في تعاملها مع التنوّع وإن كانت تؤكّد قبولها بالتعددية المجتمعية.  ولا أقصد هنا أنّ هذه الحركات غير صادقةٍ فيما تقول أو أن ما تقوله هو مجرّد التفاف ومخادعة، وإنما الذي أقصده أنّه إذا ترافق التبنيّ لبرنامجٍ مع قصورٍ في الوضوح النظري، فإنه يُفضي الى الاضطراب والوقوع في التناقضات.

وأسارع بالقول إنّ مصدر الضيق بالتنوّع هو دولة الحداثة نفسها، تلك الدولة التي تعتدي على الحياة بطبعها، سواء أكانت دولة ديمقراطية أو غير ذلك.  والمفارقة أنّ الأقلّيات هي التي تتمسك بصورة الدولة الحديثة كما هي نسخة طبق الأصل عن النماذج الغربية، وتنسى أن جزءاً كبيراً من الفسحة الحياتية في البلدان الغربية هي ناتج ثانوي للوفرة المادية، وإن كانت مؤطّرة قانونياً بالإطار الديمقراطي.  ويوهم ذلك الإطار أنه هو مستند هذه الفسحة أو هو ضامنها المطلق أو هو مستقلٍ عن مترافقاته الرأسمالية.  كما يذهل الطرح الحداثي العربي عن أنّ الحرية الليبرالية في البلدان الغربية هي موضع نزاع وخلاف بين أهلها.  ثم كيف لنا أن ننسى أنّ الأقليات في المجتمعات الغربية ليس مسرورة بما هي عليه، وتعتبر نفسها مظلومة ومهمّشة، وهي مهمّشة فعلاً.  والأكثر دلالة هو أنّ هذه الأقليات في بلدان الثقافة الغربية هي أكثر محافظةً، وهذا صحيح على المسلمين من هذه الأقليات وعلى غير المسلمين.  وتشعر مجتمعات المهاجرين إلى أروبة وأمريكة الشمالية واسترالية أنه تُضعف الثقافةُ الليبرالية تماسكَ أهل هذه المجتمعات وتنخرُ أسسها.  وكلّ ذلك يؤكّد الخصوصية الثقافية لليبرالية.

وإذ لا خلاف في الرفض القاطع للاستبداد –بغض النظر عن نوعه ومصدره والاديولوجية التي يستتر بها- لا يمكن للحال المجتمعيّ النافي للاستبداد أن يكون خالياً من مضمونٍ ثقافيٍ له سطوة.  ألا نرى سطوة الدعاوى الصهيونية في البلدان الغربية أو دعاوى الشواذ؟  ونمط الدعوى الأولى نمطٌ قومي (أو قومي غيبي)، وتكمن إشكاليته في تضخيمه لبعد الأرض/القوم وابتعاده عن بُعد التعايش الإنساني.  ونمط الدعوى الثانية نمط فرديّ شواذيّ (بمعنى قصد الشذوذ والمخالفة)، وتكمن إشكاليته في تضخيمه للبعد الشهواني وانفصامه عن البُعد الأخلاقي.  أو يمكن القول إنّ في كليهما توجّه نحو أخلاقية بديلة بعيدة عن القيم السماوية الكبرى؛ أي المسألة ليست مسألة حرية أو ديمقراطية وإنما مسألة خيار لمنظومة ثقافية أخلاقية.  إنّ وجود نمطٍ ثقافيٍ غامرٍ أمرٌ لا مفرّ منه ولا يناقض أصل فكرة ارتكاز الدولة على مؤسسات.  فهل الحرية في اليابان نافيةٌ لعموم مناخٍ ثقافي للثقافة الشرقية، وفي نسختها اليابانية خصوصاً التي هي خليط من الشنتوية والبوذية، أو ما يطلقون عليه اسم شينبتسو شوغو؟  وقد يقال إنّ مثال اليابان غير مناسب لعدم وجود تنوّع فيها.  إذاً فما القول في الولايات المتحدة الأمريكية؟  وهل الحرية فيها نافية لعموم مناخ ثقافي أبيض مسيحي (وبروتستانتي خصوصاً).  وهل الحرية في كندا نافية لعموم مناخ ثقافي أروبي مزدوج، أنكلوساكسوني/فرانكفوني؟

الخلاف الحقيقي في موضوعنا هو حول الليبرالية، وليس حول الديمقراطية التي تؤكد على المساواة القانونية وتحمي الحقوق.  وبناء على هذا، المطلوب من التيارات العَلْمانية أن تكون صريحةً مع نفسها ومع الآخر في أنها تتطلّع إلى مناخٍ ليبرالي وليس إلى مجرّد مناخٍ ديمقراطي (والأفضل أن تحدّده فتقول مثلاً: مناخ المجتمع الفرنسي أو الولايات المتحدة الأمريكية).  كما هو مطلوب من التيارات الإسلامية أن تكون صريحة مع نفسها ومع الآخر في أنها تتطلّع إلى نموذجٍ محافظٍ وليس مجرّد نموذج ديمقراطي (والأفضل أن تحدّده فتقول مثل ذلك في ماليزيا أو تركيا أو تونس، ولنكن متفائلين بجلب المثال الأخير).

وأخيراً يجدر بنا أن نعي -وبغض النظر عن الأحلام الإديولوجية لأي تيار- أنه لن يكون مجتمعنا إلا ما هو عليه من نسق متميّز، يجمع بين السمة التاريخية القديمة والتأقلمات المعاصرة.  وأسوء سبيل لإدارة مجتمعٍ هو عدم مراعاة النسق الاجتماعي السائد تشدّداً أو تراخياً.  ومن لا يعجبه النمط الوطني السائد ويريد تغييره فعليه أن ينخرط في العمل الثقافي وأن ينتظر لجيل أو جيلين.  أما الفرض الإديولوجي للخيارات الثقافية فإنه لا يمكن أن يمرّ إلا من خلال آليات استبدادية، وإذا تسرّب خلسةً فإنه يؤسّس للاستبداد وينتهي ببركان.  وما الفرض النخبويّ إلا استعمارٌ باسم آخر، وهو الذي ثارت عليه الثورة؛ ولذلك نصوّر المخاض العسر الذي نحن فيه أنه ميلاد أمة.

ميلاد أمة في خضم التفاعلات الحضارية والجيوسياسية

ميلاد أمة-1: إشكالية الهويات منذ الأفول العثماني

ميلاد أمة-2: التوجهان العروبي الإسلامي والقومي العربي

ميلاد أمة-3: النزعة القُطْرية

ميلاد أمة-4: من مِلَل إلى أقليات: مقدمات

     أ) حالة المسيحيين: العروبة والوطنية

     ب) حالة الكرد: المخيال القومي وتأزمه

     ج) حالة العلويين النُصيريّة: هامشية تاريخية وتبنّي دولي

ميلاد أمة-5: التصميم الطائفي لدول بلاد الشام

Tagged: , ,

2 thoughts on “ميلاد أمة-3: النزعة القُطْرية

  1. […] ميلاد أمة-3: النزعة القُطْرية […]

  2. […] ميلاد أمة-3: النزعة القُطْرية […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s