مفهوم المواطنة

1/7/2012

يتردّد هذه الأيام في سياق الثورات العربية مصطلح المواطنة على أنه هو العنصر المفتقد في الثقافة السياسية للعرب، وأنّ غياب هذا المفهوم ينتج عنه تفاوتاتٌ اجتماعية وربما بُغضٌ وتناحرٌ بين فئات المجتمع.  وبالمقابل، إذا آمن الناس بمفهوم المواطنة إيماناً عميقاً استوى فيه موقع جميع الناس في الدولة، مما يزيل تلقائياً كل دواعي الفرقة ومصادر الكره.

والخطاب في ذلك موجه خصوصاً إلى الحراك السياسي الإسلامي…لأن الطرح الإسلامي يحمل معه حُكماً اعتباراتٍ إضافية لفكرة الانتماء إلى المجتمع لا تقتصر على المواطنة.  ولا يخفى أنه تقبع خلف التأكيد على مفهوم المواطنة مخاوف أقلوية من غير المسلمين خصوصاً، مدفوعة بقلق من مظنّة ظلمٍ يأتي من جهة محورية الشريعة في أذهان الإسلاميين، وربما بتخوّف أيضاً من فكرة النظام المليّ الذي كان قد انتهجه العثمانيون.  وليست وظيفة هذه العجالة تبيين موضع غير المسلمين في فلسفة الشريعة، ولا التحقيق العلمي في الواقع التاريخي لنظام الملّة.  كل الذي يهمّنا هنا هو الإشارة إلى أن الطرح الشائع لمفهوم المواطنة طرح ناقص، وينجبر هذا النقص عند التفريق بين العقد السياسي و الجذر الذي تتأسس فيه هوية المجتمع؛ وهذا الذي سوف أسعى إلى شرحه.

فمثلاً، الناس يتنعّمون بالمياه المتوافرة في بيوتهم، وجرّ المياه إلى المدن والأحياء يتحصّل بمجهود من الدولة لا من قبل مجموعة سكان قرية تعاونوا على نقل الماء؛ فكيف لا يكون جميع الناس متساوون في ذلك.  أي أنه لما كان المشروع وتنفيذه يتجاوز حيّز الجماعات الخاصة، اقتضى الأمر أن يتساوى فيه الناس جميعاً وأن يتشاركوا في كلفته من خلال الرسوم والضرائب.  وفي أغلب أنشطة الحياة الحديثة لا يعقل عدم تساوي المواطنين حقاً في الانتفاع وواجباً في تحمّل الكلفة.  إلى هذه الحدّ ليس هناك إشكال في الفهم، ولا عجب إذاً أنه تقبّلت الحركاتُ السياسية الإسلامية هذا المفهوم، وأكّدت على أنّ المواطنين في الدولة الجديدة بعد نجاح الثورات سوف يتساوون فيما بينهم في الحقوق والواجبات.

غير أن السؤال المُلحّ هنا هو إذا كانت رابطة المواطنة كافية لصيانة المجتمع وتماسكه.  إن الانتفاع المشترك وشعور التساوي فيه لا يكفي أن يكون مرساة للهوية.  نعم الانتقاع يُنشئ روابط بين الناس ويُشعرهم أنّ حياة كل منهم معتمدة على الآخر، فيدفع ذلك فئات الناس إلى قبول بعضهم البعض بناء على الاشتراك في الحاجات.  لكنّ روابط الانتفاع المشترك ما كان لها أن تصبح ميثاقاً غليظاً يعفي الناس عن الانتماء لما هو أبعد من الانتفاع وما هو أعمق في قلوبهم.

عقد الانتفاع المشترك غير كاف للحياة البشرية لأن في النفس أعماقاً لا يلامسها الانتفاع.  وفي مخيال الأمم انتماءات كبرى، سواء أكانت دينية أو قومية أو غير ذلك، تملؤ كينونتهم الشعورية وتشكّل شخصيتهم الحضارية.

الفلسفة الوجودية هي التي تفترض أنّ بإمكان الأفراد الاستمتاع بطينة رغباتهم دون أن يعتديَ أحدٌ على الآخر.  وهذا الافتراض وهمٌ لا يثبت عند التحقّق.  هؤلاء يستشهدون عادة بالدول الغربية.  ولكن لنا أن نسأل إذا كان رغد الاستمتاع المشترك في هذه البلدان غير مستند إلى ثروات العلائق الاستعمارية، مواد خامٍ رخيصة أو عمالة بأجر زهيد.  وناهيك عن هذا، النزاع الداخلي في هذه البلدان اليوم هو تحديداً نزاع على تزعزع الثقة بوعد الاستمتاع ولأنه عملياً لا تستوي فيه كل فئات هذه المجتمعات.

ثم إنه لا يمكن لرابط المواطنة -الرقيق طبيعة- أن يكفي إلا إذا ارتبط بانجازات حقّقتها الدولة المعنيّة.  فلا يمكن الإدعاء بأنه ليس في البلدان التي يُطلق عليها وصف “الديمقراطيات الصناعية” روابط غير روابط المواطنة.  وحين يفتخر أهل اليابان بمواطنتهم فلأن اليابان الحديثة قدّمت لهم شيئاً نفيساً، وكذا ألمانيا وكذا فرنسا.  هذا الرابط الوطني يقوى بعد الإنجاز لا قبله.  أما همّة الإنجاز فتترسخ في شيء أعمق في القلب والخيال: البلد التي لا تغرب عنها الشمس في الحالة اليابانية، والعرق الألماني المميز في الحالة الثانية، والثقافة الراقية في الثالثة.

الخلاصة: عقد المواطنة وفق دستور وقوانين يستوي فيها كل من اعتبر “مواطناً” هو المناسب قطعاً في إدارة الحياة الحديثة.  ولكن مضامين هذا العقد لا تكفي لبناء حضارة ولا لإلهام أمة.  مفهوم المواطنة مطلوب للتأسيس القانوني للعيش المشترك، غير أنه لا يكفي للدفع نحو السؤدد ولا يملأ جوانب الحياة الرحيبة المتّصلة بالتاريخ والمرتبطة بالكينونة البشرية.  وربما يصح القول إنّ المواطنة حدّ أدنى مطلوب فحسب.  والأقليات التي تحسب أن رابط المواطنة كافٍ لحمايتها هي مخطئة في ذلك، فما يحميها مثل الرابط الخُلقي الروحي لجنس الإنسان، أما مجرد العقد القانوني فكثيراً ما يهدر عند استئثار الأطماع.

د. مازن موفق هاشم
المقال موجود  أيضاً على الربط التالي

Tagged: , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s