استُكتبتُ لتوضيح مسألة التشيّع بنبذةٍ مختصرةٍ، وهو موضوع متشعّب لا ينجو كاتبه من اللّوم من كلّ الأطراف. فسأبذل جهدي مبتغياً توضيح السياق التاريخي لا تحليل المواقف السياسية المعاصرة.
1- الشيعة الإمامية الإثنا عشرية
التشيُّع تطوّر تاريخياً، والشيعة الإمامية الإثنا عشرية التي نعرفها اليوم لا تنطبق على صورة التشيُّع في كلِّ مراحله التاريخية.
بدأ التشيُّع فكرةً سياسية تتعلَّق بمَن هو الأولى بالقيادة بعد وفاة الرسول ﷺ، والميل إلى أنَّ الأولى بها -بداهةً- هم أقرباء النبي (فكرة العباس وعلي)، وهناك من رأى أنَّ الأولى -بداهةً- أن يكون للأنصار سكَّان المدينة حظّ في الحكم (فكرة سعد بن عبادة)، وهناك من رأى أنَّ الأولى بها -بداهةً- السابقون في الإسلام (فكرة أبي بكر). ولم يدعُ ذلك إلى الشقاق، وإنَّما ارتضت الغالبيَّة الساحقة من الصحابة ولاية أبي بكر، وكان عليٌّ من أبرز المستشارين الداعمين لحُكم أبي بكر ثمَّ عمر، وكان يرى نفسه أنه أولى بالخلافة من عثمان، ولكنّه تابع ولم يعارض.
ثم صار التشيُّع توجُّهاً سياسياً عُرف بالهاشميين وعارض السلطة الأموية، وفي المعارضة الهاشميّة فصيلان: الطالبيّون/العلويّون نسبة إلى عليّ بن أبي طالب والعبَّاسيون نسبة للعبَّاس عمّ الرسول ﷺ، واعتقد كلٌّ من الفريقين أحقيّته بالحكم بناءً على شرف الانتساب لمبلِّغ الرسالة (ولا علاقة لاسم العلويّين التاريخي بفرقة النصيريّة في سورية اليوم التي صار يُطلق عليها اسم علويون).
وعندما استطاع العبَّاسيون الوصول إلى السلطة تعقَّبوا الطالبيين الذين كانوا معهم في حركة الهاشميين ولم يُشركوهم في الحُكم، فتطوَّرت الفكرة السياسية الشيعيَّة من أحقيَّة عموم الهاشميين إلى أحقيَّة الذين هم من نسل عليٍّ حصراً، وأصبح التشيُّع في هذه الفترة شبيه حركةٍ سياسيةٍ انقلابيةٍ ثائرةٍ على السلطات، وإن لم تثُر كثيراً في حقيقة الأمر.
ومع تقلُّب الزمان وتواري الحركة الشيعية وسِرِّيتها في وجه ملاحقة السلطات، تطوَّر مفهوم الإمامة وبدأت تدخل فيه عناصر من الثقافات غير الإسلامية، فتحوَّل التوجُّه الشيعي الإمامي من توجُّهٍ سياسيٍّ يستجرّ لنفسه تبريراً دينياً إلى فرقةٍ دينيةٍ لها أسسها الفكرية وتأقلماتها الاجتماعية الخاصَّة. وكانت العناصر الوافدة على التشيُّع خليطاً من الإرث الثقافي الفارسي واليوناني وغيرهما، واختلف تموضع هذه العناصر بحسب الفرقة.
الخطُّ الإمامي للشيعة حافظ على أسس العقيدة الإسلامية من التوحيد ونبوَّة محمد ﷺ والتصديق بالحساب في الآخرة وكون القرآن هو الكتاب المنزل، ولكن تسرّبت إلى المذهب شوائب كثيرة وأباطيل، إضافةً إلى جعل الإمامة جزءاً من عقيدة المسلم من حيث وجوب معرفة كلّ مكلَّفٍ إمام زمانه وطاعة ذلك الإمام المعصوم (أو طاعة وكيله) المنحدر من نسل فاطمة بنت عليِّ بن أبي طالب الموصى إليه نصاً. وتوقَّفت السلسلة باختفاء أو غيبة الإمام الثاني عشر المهدي (260هــ)، وهو ابن الإمام الحسن العسكريِّ، فسُمُّوا بالإماميَّة الإثني عشرية.
وهكذا قام التوجُّه الشيعيُّ بإضفاء قدسيَّةٍ دينيَّةٍ على العادات العربية التي تُكْبِر من شأن النَّسب وتتفاخر به، وأوَّلوا الآيات، وأوّلوا أحاديث (لم تصحّ) لتخدم مسلَّمات مذهبهم. كما اعتبروا فرقتهم هي الممثِّلة لطهارة أهل البيت النبويِّ (كما استعملوا عبارة آل البيت)، واحتكروا فكرة الانتساب مع أنَّ الآية صريحة في أن مصطلح أهل البيت يخصّ أزواج النبي ﷺ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } (الأحزاب:33)، وهو كذا من الناحية اللغوية.
أسبغ المذهب الشيعيّ العصمة على الأئمَّة حتى صارت أقوالهم وكأنَّها أقوال الرسول ﷺ، واستثمروا حادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه وبنوا عليها الأساطير. ثم اختلطتْ مع أقوال الشيعة –المتأخِّرين منهم خصوصاً– شطحاتٌ عجيبة وروايات تاريخية خوارقية ومفاهيم حلوليَّة من الأديان القديمة. وهكذا ابتعدت الكتلة الشيعية عن جسم الأمَّة، وتملَّكتها عقدة انتظار المهديِّ المنتظر الذي غاب غيبة صغرى ثم كبرى وسيعود يوماً.
ويرجع تأسّس مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية إلى مساهمات عالِمين شيعيين. أولهما هو الكُلَيني (ت 329هـ) في كتابه “الكافي” الذي جمع فيه كمّاً كبيراً من أحاديث ادعى روايتها عن أئمة آل البيت بما فيهم جعفر الصادق، وعددٌ من هذه الأحاديث هو إعادة صياغة لأحاديث سنّية مع تعديلاتٍ لتخدم الدعاوى الإمامية، إلى جانب حشدٍ ممّا هو خرافة محضة. ثاني مؤسسي المذهب الشيعي الإمامي الإثني عشري هو الشيخ المفيد (ت413هـ) الذي بنى أصول الفقه الشيعي. وفي أدبيات التراث الشيعي افتراءاتٌ على الحقّ وطامّاتٌ كبرى ليست من رسم الإسلام في شيء، ولذلك تجد بعضهم يتبرّأ منها من خلال التأويل.
ونلفت النظر إلى أنه كان أن رسّخ التشيّع لنفسه كياناً أدبياً بإحياء اللغة الفارسية منذ عهد البويهيين، وهي التي نافست اللغة العربية في الأقطار العجمية.
ولقد تبلورت الشخصية الشيعية الإمامية على المرارة والرفض الكامل لما هو خارج الطائفة، وتشكَّلت ثقافةٌ دينيةٌ شعبيةٌ مثقلةٌ بالروايات الخرافية التي تؤكِّد المظلوميَّة. وزُوِّجت هذه الثقافة بطقوسٍ تُمارَس في الحسينيَّات نمطاً يزيد في الانغلاق ويبرِّره، ويسبغه بغيبيَّات فُرَقية، ودخل هذا التراث الشعبي أمَّهات كتب الشيعة ممَّا يعتدي على أصول المذهب ويبتعد عن مقتضى العقل.
ومرَّت العصور حتى جاء الصفويُّون امتداداً لحركة الشيخ الصوفي التركي صفيِّ الدين الأردبيلي في جنوب أذربيجان، فتبنوا مقولاتٍ باطنيةٍ وشيئاً من التصوّف الفلسفي، وتشيَّعوا سياسةً وأكرهوا الناس عليه، ولم تكن إيران يومها شيعية. وفي حين أن العثمانيين استوعبوا التصوُّف (والمذهب الحنفيّ) حتى صار جزءاً من سلك الحُكم، زوَّج الحكم الصفوي التشيُّع بأبعاد من الثقافة الفارسية الغابرة من أجل تثبيت الحكم وتبريره. والعهد الصفويُّ منذ القرن العاشر الهجري (907-1148هــ/1501-1722م) هو الذي شهد اختراع كثيرٍ من الطقوس والشعائر الشيعية المشهورة اليوم، وأضافوا إلى ما كان قد أدخله البويهيون من عاداتٍ مثل عادات إحياء ذكرى الموتى من آل البيت. كما استحكمت الأساطير والخرافات، وتمَّ الانفكاك عن الأمَّة، وأصبح التشيُّع الإيرانيُّ من ذاك العهد متماهٍ مع الشخصية القومية الفارسية. ولا ينفكُّ هذا الشعور عن زهوٍّ بتاريخ الحضارة الفارسية، وفيه تعالٍ على الآخر وخصوصاً العرب. ولا مراء في أنَّ حفنة من العلماء البارزين في التاريخ المسلم كانوا من بلاد العجم غير إنّ ثمة كثرة من العلماء من شتّى الأمم، وأثمرت جهودهم في بيئة اللغة العربية، ناهيك بأن كثيراً منهم من أصول عربية. ويبلغ التعالي الشيعي الفارسي درجة اعتقاد أنَّ الدَّعوة الإسلامية وخطابها الذي كان بعهدة العرب بقي سطحياً إلى أن اكتسب العمق بسبب مساهماتٍ فارسية.
توسّعت الإمبراطورية الصوفية وشملت خراسان (معظمها في أفغانستان اليوم) وسيطرت على بغداد لسنوات ومواضع كثيرة خارج فارس التاريخية. وكانت الفترة القاجارية (1779-1925م) التي تبعت المرحلة الصفوية وسبقت مرحلة الأسرة البهلوية (1925-1979م) فترةً حاسمةً في تسييس العلماء الشيعة، فلقد تميَّزت هذه الفترة بالضعف المركزي للإدارة السياسية في إيران، ففسحت المجال للمشايخ والعلماء لتعلُّم طرق السياسة والمشاركة في النشاط السياسي، خلاف ما كانوا عليه في أغلب المراحل التاريخية من التواري والسكون والبُعد عن الثورة والاحتجاج.
والخلاصة: التشيُّع تطوَّر من رؤيةٍ سياسية حول أفضلية الحُكم إلى حركةٍ رافضةٍ للسلطة القائمة إلى فرقة دينية تسرَّبت إليها عناصر أجنبية جرى إلباسها لباس الإسلام وشاراتِه في ظروف تاريخية متعدِّدة. ولذلك عند الحديث عن التشيُّع ينبغي أن يكون واضحاً أي تشيُّعٍ نتكلَّم عنه، القديم أم الوسيط أم ما آل إليه الأمر بعد الصفويين؟ وهل هو التشيُّع الشعبي الرائج، أم هو التشيُّع العلمائي التقليدي الموجود في الكتب والذي تحتضنه الحوزات، أم هو التشيُّع الفكريُّ التجديديُّ؟
2- المذهب الزيديُّ
إتماماً للموضوع نذكر أنَّ هناك مذهباً شيعياً آخر تميَّز بحفاظه على نقاء أسسه العقديّة، ويُعرف بالزيديَّة. اعتبر المذهب الزيديُّ أنّ الحفيد الخامس زيد بن عليِّ بن الحسن بن الحسين هو الإمام، وليس أخاه محمد الباقر الذي اعتمدته الشيعة الإنثا عشرية بعد موت أبيهما سنة 122هـ، فافترق المذهبان من يومها. والزيديّة هي التي قامت بثورات مسلَّحة منذ العصر الأمويِّ (انضم إليها علماء سنّة كبار)، في حين أنَّ الشيعة الإثني عشرية اعتمدت الانسحابية والتقيَّة بشكلٍ رئيسي (مقابل الإسماعيلية التي اعتمدت الثورية الباطنية).
من الناحية الفكرية العقدية لم تدخل إلى الزيدية شوائب من عقائد ما قبل الإسلام، ولذا تُعتبر الزيدية قرينة لمذهب السنَّة، وإن وقع الاختلاف بينهما في المسألة السياسية. فالمذهب الزيديُّ يقول بتفضيل إمامة عليٍّ ونسله من الحسن أو الحسين، ولا يقول بالنصِّ على الإمام أو التوريث، ولا يُدخل في صفة الإمام أبعاداً غيبية أو العصمة كما هو عند الشيعة الاثنا عشرية. وفي النظرية السياسية الزيدية يمكن لأيِّ رجل من نسل عليٍّ أن يكون إماماً، ويمكن أن يوجد أكثر من إمامٍ في زمن واحدٍ أو لا يوجد أحد، وأحقِّية إمامته هي الغلبة السياسية والعلم. ولذا يعترف المذهب الزيديُّ بخلافة أبي بكر وعمر، وعلماء مذهبهم مختلفون في عثمان، فمنهم من يعترف به كخليفة في العام الأول من سلطته. ولقد تأثَّر المذهب الزيديُّ بالمعتزلة، والمذهب الفقهي الزيديُّ قريب من مذاهب السُّنَّة (وكذا هناك تشارك بين المذاهب الفقهية للسنة ومذهب الفقه الجعفري للاثني عشرية)، والمذهب الزيديّ لا يقول بزواج المتعة. ويشار إلى أن العالِم اليمني الشهير الشوكاني (ت1250هـ) زيدي المذهب ويستشهد علماءُ أهل السنّة بأعماله وفتاويه. ولقد تأثَّر المذهب الزيديُّ بالمعتزلة.
وكان أن تشكَّلت للزيدية دولةٌ بين أقوام الدَّيلم قرب بحر قزوين بين 250-520هـ مع انقطاعات في استمرارها. ويشكّل الزيدية اليوم قسماً من سكَّان اليمن، وكان قد أسَّس مملكتهم الإمام يحيى بن حسين الراسي في صعدة في أول الأمر ثم في صنعاء، وامتدَّ حُكم هذه السلالة منذ القرن الرابع الهجري مع انقطاعات كثيرة تخلَّلتها مناوشاتٌ مسلّحة، وانتهى أمرهم في العصر الحديث بعد ثورة الجيش سنة 1962م وتأسيس الجمهورية العربية اليمنية. واستطاعت إيران أخيراً استمالة فريقٍ من الزيديين في اليمن، وهم جماعة الحوثي، وذلك بعد حروب صعدة سنة 2004م، إلى أن تطوّر الأمر وسيطر الحوثيون على صنعاء سنة 2014م. وقاد هذا التحالف السياسي إلى تأويل المذهب الزيدي لصالح الفهم الإمامي، ولكنّه تأويل مسيّس لم يجر على يد علماء.
3- ميول تاريخية
يحسن التنبيه إلى نوعين من التشيّع في تاريخنا يختلطان اليوم على بعض الناس فيحسبونه تشيُّعاً بمعناه المتبلور اليوم، وهو ليس بذلك. الميل الأول هو ميل سياسيٌّ في الأطراف نافس مركز الخلافة الذي ضعف، فاختصّ المنافس لنفسه بصلاحيات إدارية في بلده، والميل الثاني ميلٌ عاطفي بحت من باب حبِّ آل البيت وذريَّة الرسول ﷺ. وفي العصور الأولى كان وصف التشيّع يعني -فحسب- محبّة عليٍ وتقديمه على عثمان (أما وصف الرافضي فيخصّ تقديم عليٍ على أبي بكر وعمر).
وضمن المفهوم الأول كان في حركات الطولونيين في مصر والأدارسة والمرابطين والموحِّدين في المغرب العربي نزعة إصلاحٍ سياسي تتظلّل بشعار آل البيت، فيختلط الأمر على البعض فيحسبونه تشيُّعاً بالمعنى الإمامي الاثنا عشري الذي تطوَّر لاحقاً. وحتى الحمدانيون في إمارة حلب ثم حلب والموصل الذين كانوا شيعة اثني عشرية فقد خدموا الخلافة العباسية بنوع من التعاقد الدفاعي.
ثانياً، ضمن المفهوم العاطفي للتشيّع يشتهر الصوفية من السنّة بالتبرّك بآل البيت. ولقد اتُهم الشافعي بالرفض بسبب عمق حبّه لآل البيت (وميله العام لثورَتيهم)، فردِّ على المتعصِّبين من السنَّة (الناصبة أو النواصب) في بيت شعرٍ منسوبٍ إليه:
إن كان رفضاً حبُّ آل محمدٍ ~~~~~ فلْيشهد الثقلان أني رافضيّ
وبيته هذا جزءٌ من أبياتٍ في سياق مشاعر الحج.
ومرةً ثانية، التشيُّع المبكِّر لم يكن هو التشيُّعَ الذي نعرفه اليوم، والعداء والتمايز الاجتماعي التامُّ بين السنَّة والشيعة لا ينطبق على كل تاريخنا، وأوضح ما يُظهر هذا العلاقات الرحمية لكبار الشخصيات. فتأمّل أن الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ، وهو الذي أصبح يعتبر الإمام السادس عند الشيعة) هو حفيد حفيد عليِّ بن أبي طالب، وهو ابن حفيدة أبي بكرٍ الصدِّيق أُم فَرْوَة، كما أنَّ الإمام جعفر الصادق هو شيخ أبي حنيفة. وكان الحسين من قبلُ قد سمَّى ابنيه باسم عمر وعمر الأشرف، وسمَّى موسى بن جعفر الكاظم (الإمام السابع عند الشيعة الإثنا عشرية، ت 183هـ) ابنيه باسم أبو بكر وعمر وابنته باسم عائشة).
4- فرق الغلاة
ومقابل خطَّي التشيع اشتطَّت فرقٌ وحوَّرت مفاهيم الإسلام الأساسية، ويُطلق عليهم اسم “الغلاة” ووصف “الباطنية”. وتوجُّههم مرفوض من علماء السنَّة وعلماء الشيعة، وإن تألَّف التشيُّع بعض الفرق الباطنية وخاصةً الإسماعيلية. والغلاة بشكلٍ عامٍّ يؤمنون بحلولٍ قدسّيٍ في أئمتهم، ويمارون في قضية النبوّة وختمها، وكثيراً ما ادعى أئمتهم النبوة أو الألوهية، ولا يقولون بالبعث والحساب، ولا يقرُّون بالشريعة، ولا يؤمنون بأنَّ القرآن موحى ولا أن الإسلام خاتم الرسالات. وحين يستشهدون بالقرآن يفسّرونه تفسيراً رمزياً بناءً على أنَّ للقرآن معنى ظاهراً وآخر باطناً. فمثلاً يدا أبي لهب في الآية هما أبو بكر وعمر، والبقرة في قوله تعالى {يأمركم أن تذبحوا بقرة} هي عائشة، إلى جانب استحضار كمٍّ هائل من الخرافات والعناصر من العقائد اليونانية الغنوصيَّة والهندية الحلوليَّة.
ولقد كانت بداية تشكّل فرق الغلاة بعد أزمة تحديد الإمام السابع بعد وفاة الإمام جعفر الصادق (ت 148 هـ)، والتشيُّع كان يومها لم يزل سياسياً، وإن كانت تحوم حول نسل عليٍّ افتراءات باطنية يستغلّها أصحابُ فتنةٍ محرِّضون (وهذا ممّا برّر ملاحقة التيار الشيعي يومها). فالمفروض أن تذهب الإمامة إلى الابن الأكبر إسماعيل، ولكنه توفي قبل أخيه الأصغر منه (موسى الكاظم). وفي حين اعتمدت الإماميةُ الإثنا عشرية أنّ موسى الكاظم هو الإمام السابع، ذهبت فرقةٌ إلى إن الإمام السابع هو إسماعيل وأنه لم يمت، وبرّروا ذلك بتبريراتٍ حلولية، فعُرفت بالفرقة السبعية أو الإسماعيلية.
وهكذا شكّل منتصف القرن الهجري الثاني نقطة افتراق بين خطّ الشيعة الإمامي الاثني عشري وخطِّ الغلاة الذين تبنَّوا فلسفاتٍ عرفانيَّة. وانحدرت من هذا الخطِّ الثاني فرقة الاسماعيليَّة، وكذلك النصيريَّة (حوالي 260 هـ) والدُّروز (حوالي 412 هـ). غير إنّ التشيّع الإمامي الإثناعشري استدخل أيضاً بالتدريج أفكاراً حلولية.
5- فرق أخرى
ظهرت في باكورة التاريخ المسلم فرقة الخوارج، وهم فرقةٌ مارقةٌ متطرِّفةٌ سياسياً، سفيهةٌ أحلام أصحابها ويغلب عليهم صغر السنّ، جهلةٌ في فهم القرآن والسنّة ويكفّرون غيرهم ويستبيحون دماءهم، وهم مع ذلك مثابرون على العبادة ويتفانون في التضحية. وكان أن قاتلهم كلٌ من فريق عثمان أصحاب الجمل ثمَّ علي بن أبي طالب في معركة النهروان 38هـ، وهم الذين اغتالوا علياً رضي الله عنه.
وهناك المذهب الإباضي الذي ظهر في نهاية القرن الهجري الأول. ولقد اعتبرت الكتب التراثية عن الفرق الإسلامية أنّ الإباضية توجّه خارجيٌ فيه اعتدال، لكن يرفض الإباضية ربط مذهبهم بالخوارج رفضاً قاطعاً. وتجاه الفتنة زمن عثمان تصطفّ الإباضية مع المعارضة، ومن الناحية الفقهية تتبنّى الإباضية فكرة جواز أو وجوب الخروج على الحاكم الجائر، ولكن قبلوا لاحقاً فكرة إمامة المتغلّب. ويقول بعض علمائهم بالتمييز بين الصحابة بحسب حالهم؛ ولذا يتوهّم بعض الناس أنهم شيعة وهم ليسوا بذلك. ومن جملة مذهب الإباضية القول بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن بعض الذنوب من الكبائر هي “كفر نعمة لا كفر ملّة”. وينتشر المذهب الإباضي في عُمان وفي بلاد المغرب العربي.
وفي العصر الحديث ظهرت الأحمديَّة (1889م) بين صفوف السنَّة في فترة الاحتلال الانكليزي للهند، وأدخلت في عقائدها وممارساتها عناصر غريبة عن الإسلام. وتنقسم الأحمديَّة إلى قسمين: اللاهوريّة التي تُواري في فكرة ختم النبوة، والقاديانيّة الأكثر تطرُّفاً والتي قالت بألوهية غلام أحمد. وفي إيران رعى الإنكليز ظهور البهائية (1844م) التي أحيت الانحرافات العقديَّة لفرق الغلاة.
والله من وراء القصد
تحرير مازن هاشم
وكتب الأصل في: 21-05-1433هــ/13-04-2012م
Tagged: الفرق الباطنية, النفوذ الإيراني, الإباضية, التشيع الفارسي, الزيدية, الشقاق السني الشيعي, الشيعة-التشيع, الصفويون, تاريخ الشيعة
[…] انظر مقال مختصر في الموضوع نفسه فيه تفصيلات مفيدة بعنوان: التشيُّع: التطور من فكرةٍ سياسيةٍ إلى فرقةٍ دينيّةٍ […]
يعطيك العافية دكتور و كلام يوضح الكثير و لكن المشكلة ان رؤية الناس للشيعة الان اصبحت رئية الحاضر و ليس الماضي اي رئية الافعال التي يقومون بها مما ينسف اي ماضي قد يكون اقل قبحا بكثير مما نراه الأن