البنية المؤسسية للوطن: 4-النظام التعليمي

يندرج تحت هذا الملفّ الحديث سبعة مسائل: قطاعات التعليم (التعليم المدرسي، والتعليم المهني المتوسط، والتعليم الجامعي)، والتعليم غير الرسمي، والثقافة التعليمية، والمعلمون، والمناهج، والمدارس العامة والخاصّة، والأمّية.

1- التعليم المدرسي:

أبتدأ بالتنبيه إلىٰ أن بعض الاقتراحات التي سوف أقدّمها هي غير اعتيادية وقد تكون صادمة لأول وهلة. وإن بعض الأصول القياسية المعتمدة في التعليم في الأحوال المستقرة غير مناسبة للحال السوري بعد تجريف المجتمع. نحن أمام حالة إسعافية تحتاج تفصيل رؤيةٍ تعليمية وخطّةٍ خاصّة مناسبة. وكلّ ما سأذكره يحتاج أن يجري مواءمته مع بيانات الدراسات الميدانية التي قامت بها مؤسساتٌ مدنية.

لنبدأ بالمرحلة الابتدائية، ومن المعروف أن جيلاً بكامله فاتته الفرصة التعليمية، وربما لم يتعلّم إلا القليل، ناهيك بالجراحات النفسية نتيجة ما مرّ به الأولاد (أولاد=صبيان وبنات) من أهوال. وأضف إلىٰ ذلك أنه من المتوقّع أنه سيحتاج قسمٌ من هؤلاء الأولاد متابعة العمل ليساهموا في معيشة أسرهم. أمام هذا الواقع يُطلب التركيز علىٰ التعليم الأساسي، ثمَّ إذا كان هناك فضلة موارد بشرية ومالية فيمكن أن نرفع سقف التعليم.

والمقصود بالتعليم الأساسي هو تعليم القراءة والكتابة والحساب. وأولوية هذه الثلاثية ليست رأياً شخصياً، بل هو ما تفيد به الأبحاث باعتبارها أفضل مؤشّرٍ عن فرصة النجاح في المستقبل. وذلك لأن ثلاثة القراءة والكتابة والحساب هي القاعدة التي لا تستغني عنها أي معرفة وأي مهنة متوسطة أو عالية. كما أن كلاً من هذه الثلاثة تنمّي الدماغ (نعم عضوياً) كما تنمّي القدرات العقلية، فهي تجمع بين التجريد والإنشاء والإبداع.

لا يعني هذا أن العلوم الأخرىٰ ليس لها أية أهمية، وإنما أن أهميتها أدنىٰ بدرجة ما.

وللتركيز علىٰ القراءة والكتابة والحساب علاقة بمدّة التعليم. بمعنىٰ أن هناك حاجة إلىٰ مناهج متسارعة لردم الفجوة في هذه المواضيع الثلاثة أولاً. أما التفكير بأن كلّ الأولاد سوف يذهبون علىٰ نحوٍ اعتيادي خمس أو ست سنوات ليتخرجوا بمعرفة (محنّطة) جرىٰ الاعتياد عليها… هذا التوقّع في غير محلّه.

وتواجهنا مسألة الأعمار المتفاوتة في عملية التعليم. فهل ينقسم التعليم الأساسي بحسب الأعمار؟ هذا من شأنه أن يستلزم مزيداً من الموارد البشرية والمالية. ورغم أنه قد يترافق مع التفاوت الكبير في العمر مشاكل أخلاقية، لكن يمكن أن يتمّ تصميمٌ يوظّف تفاوت الأعمار في التعليم البيني (يعني يساعد الأولاد الأكبر سناً في تعليم الأصغر منهم).

هل من المحبّذ أن يكون هناك مرحلة إعدادية بين المرحلتين الابتدائية والثانوية؟ الأرجح لا، فنحن نتكلّم –ابتداءً– عن تعليمٍ متسارع طلابه من أعمارٍ مختلفة؛ ممّا يعني أن التقسيم التقليدي لا يناسب الحال.

المرحلة المتقدمة من المدرسة (المرحلة الثانوية) مرحلة حرجة، ويتوقّع أن تشهد نسباً عالية من التسرّب بسبب ضغط الحاجة للعمل. وكثير من المتخصّصين يرجّحون أن النموذج الألماني هو المناسب (وهو الأجدىٰ في الحال العادية، ومنطقه ضروري للحالة الإسعافية). ومفاد هذا النموذج هو تقسيم المرحلة الثانوية من الدراسة إلىٰ مسارين: المسار الجامعي والمسار التطبيقي. بمعنىٰ أن جزءاً من الطلّاب (المتفوّقون في المرحلة السابقة والمؤهّلون وفق اختبار القدرات) هم فقط المؤهّلون للمتابعة في التعليم الجامعي، والباقي يوجّهون للتعليم المهني.

وأسارع القول إن النظرية اللبرالية في التعليم تعترض علىٰ هذا النموذج لأنه قد يظلم بعض الطلّاب الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالتفوّق. الاعتراض وجيه، لكن يشهد الواقع بأن السماح العريض لتلقي التعليم الجامعي يؤجّل أزمة الأقلّ تهيئة لا أكثر (مزيد من التفصيل يأتي عند الحديث عن المرحلة الجامعية). ومن ناحية أخرىٰ ينبّهنا علم المناهج التعليمية أنه بقدر ما يكون المنهج التدريسي مفصّلاً علىٰ قدّ الطلّاب ويحاكي بيئتهم يكن مردوده أفضل. ولكي نداوي احتمال الحيف علىٰ طلابٍ لم تظهر مواهبهم في وقت مبكّر، ينبغي أن تسمح المنظومة الانتقال العرضي من الخطّ المهني إلىٰ الخطّ الجامعي إذا تحققت الشروط لاحقاً.

2- التعليم غير الرسمي

لقد أغنانا التفصيل في التعليم الرسمي كثرة الحديث عن التعليم غير الرسمي. فما دامت المهمّة إسعافية من ناحية (1) أولوية التعليم الأساسي، (2) والمسارعة في عملية التعليم؛ يتبع منطقياً أن علينا استنفار مقدرات المجتمع كلّه من أجل هذه المهمّة. بمعنىٰ أنه ينبغي استثمار المتوافر من المنصّات العامّة وعدم الانتظار كي نبني مدارس رسمية.

وطبعاً أوّل ما يخطر في البال المساجد (والكنائس)، فهي فضاءات مناسبة للتعليم المفتوح، وتستجلب المتطوعين والمتطوعات. وربما يكون هناك دروس للتعليم الأساسي أيام الجمع والسبوت للطلاب الذين يشتغلون باقي أيام الأسبوع. وربما يكون هناك دروس بعد الفجر وأخرىٰ بعد المغرب.

وطبعاً هناك حاجة إلىٰ أن يرافق دروس الأطفال وجبة طعام متوازنة غذائياً.

وتُظهر الدراسات في أفريقيا أن التعليم عبر الراديو كان فعالاً جدّاً، وكلفته منخفضة جداً. هل هذا مناسب لسورية؟ لا نعلم، ولكن التفكير به وارد. والتعليم عبر الراديو مناسب بالخصوص للمناطق البعيدة التي ليس فيها كثافة سكانية، فيصعب تأمين الطاقم التدريسي لها.

بديهة هناك إمكان التعليم عبر الإنترنت، ولكن هذا يترافق مع نفقات عالية للجهاز. أما استخدام اللوح الالكتروني للتعليم فيمكن أن يكون مناسباً جدّاً، حيث إنه يمكن أن يشترك كلّ أفراد الأسرة الراغبون بالتعلّم وفق جدولهم الزمني المناسب (ولقد كان هناك جهد رائد في هذا المضمار، ولكنّه لأسباب ما لم يتمّ تبنّيه)، كما أنه يوفر مصاريف طباعة الكتب ويمكّن من تحديث المادة بشكل مستمر.

3- الثقافة التعليمية

من المعروف أن الثقافة التدريسية في سورية كانت ثقافة سطوة وسيطرة، وربما إذلال وانتقام، ناهيك بالأدلجة. الأصل في التدريس هو القدوة والمحبة وشعور المسؤولية، وهي لا تنافي الجدّية والاحترام، بل تعزّزهما. وصحيح أن التغيير الثقافي بطيء، ولكنّه يمكن أن يتسارع في لحظات مشهودة. ويمكن اعتبار الثورة وإسقاط النظام منعطفاً يضع التعليم والمواقف النفسية تجاهه علىٰ سكَّة جديدة. وابتداءً مثلت أيدولوجية حزب البعث حرباً انتقامية من المجتمع وثقافته.

سلوك المدرّس هو أحد أعمدة الثقافة التعليمية، ويندرج تحت ذلك العقوبات والضرب (يعني منعهم نضوجاً من المدرّس قبل أن يكون قانوناً مدرسياً). ويغلب أن المدرّس الذي يحتاج باستمرارٍ إلىٰ وسائل الإذلال أنه غير مؤهّل، عاجز عن التواصل الذهني-النفسي مع الطلّاب. والحزم شيء واللؤم شيء آخر.

سلوك الطلّاب هو الوجه الآخر من الثقافة التعليمية. وينشأ سلوك الطلّاب في المدرسة من مناهل عدّة، واحد منها المنزل والتربية الوالدية، وآخر من ثقافة المجتمع وإجلالها للتعليم ولمهنة التدريس. وأيضاً يعكس سلوك الطلّاب في المدرسة طبيعة إدارتها وطبيعة تعامل المدير والموجّهين مع الأساتذة والطلّاب.

وأخيراً لا بدَّ للثقافة التعليمية من أن تنسجم مع الثقافة المحلية. وليس المقصود هنا الانسجام مع “الثقافة السورية”، فهذه عمومية غير مفيدة في هذا الموضع. وإنما المطلوب الانسجام مع الثقافة الخصوصية للمحلّة، سواء كانت ثقافة الحيّ أو البلدة أو القرية. إن للبيئات عقليات جمعية متفاوتة وحساسيات مختلفة وأعراف مخصوصة لا بدَّ من رعايتها. ثمَّ إن التواصل مع الأهلين عمادٌ من عماد التدريس الجيد، وهذا غير ممكن بلا فهم فطري للبيئة المحلّية. ولا يخفىٰ أن كون المعلِّم من نفس المحلّة أمر إيجابي مساعد.

4- المعلّمون

المعلّم هو الحلقة الأهمّ في سلسة فاعليات التعلّم. ويمكن كلّ واحدٍ منا يستدعي من ذكريات المدرسة أستاذاً ناضجاً قدوةً حفَز وعلَّم، برغم أنه كان حازماً وربما شديداً. وربما يذكر أيضاً أستاذاً لئيماً لا يصلح لعملية التعليم ولا ينتمي إلىٰ عالَم الثقافة.

وأدبيات التعليم مليئة بما هو فعّال من ممارسات المعلّم وما هو غير مجدٍ. ويظنّ بعض النّاس أن عملية التعليم بسيطة، ولكنّها عملية معقدة تجمع بين ستّ فاعليات: تثبيت التذكّر وتمكين الفهم والشرح عبر التطبيق وضبط التحليل والتمكين من التقييم وحفز الابتكار.

وممّا يعني ذلك أن تهيئة المعلمين مطلوبة، وأن رواتبهم وتعويضاتهم ينبغي أن تكون مجزية. وإن الاطلاع علىٰ تجارب الأمم الأخرىٰ مفيد، وخاصّة الأمم غير الغربية التي عندها ثقافة جماعية غير فردية. ومثلاً تشتهر التجربة الكورية بأنها ركّزت علىٰ التعليم الابتدائي والثانوي قبل نهضتها.

وبشكل عام نحن بحاجة أن نستعيد مكانة الأساتذة المدرسّين، وأن يصلوا إلىٰ مقام يجعلنا نصدح من أعماقنا بقول شوقي:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا ….. كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

5- المناهج

ليس مبالغة القول إن مواكبة المناهج التعليمية للتغيير الذي حصل علىٰ الأرض هي لبّ التغيير الحقيقي،  وهو الذي يجذّر الإنجاز ويمنحه الديمومة.

وابتداء ينبغي استحضار معنىٰ منهاج وعدم حصره بالمادة التدريسية. عناصر المنهاج خمسة: أهداف المنهج، والمادّة المدروسة، وأساليب عملية التعليم، ومعيار التقييم، والنشاطات المرافقة المتجاوزة لموقع التدريس. ولنبدأ بآخر بند.

أ- النشاطات:

النشاطات المرافقة لعملية التدريس مهمّة جدّاً، لأنها تستمدّ موارد متاحة من المجتمع، وتجسّر الهوّة بين المؤسّسة التعليمية والمجتمع.

يعني لا نريد متخرجين من العملية التعليمية لا يبالون بمجتمعهم، ويستعلون علىٰ ما هو حاله (ولا حتىٰ علىٰ جهله)، ثمَّ يكون أمل المتخصّص منهم السفر إلىٰ بلد أجنبي (بعد أن أنفق عليه المجتمع عقدين ونيّف). طبعاً السفر للاستفادة والاطلاع وتطوير المهارات مهمّ.

وقد تكون النشاطات المرافقة نشاطات خدمة، مثل غرس شتلات الأشجار أو التنظيف (الآمن) للمرافق العامة، أو عيادة المرضىٰ، أو الاشتراك –مثلاً– في مسابقةٍ نظّمها حيّ المسجد حول تاريخ بلاد الشام.

ب- معيار التقييم:

تقييم جهود التلامذة وإتقانهم للمادّة أمر في غاية الحيوية. ولا يخفىٰ أن التقييم بناء علىٰ مجرّد الحفظ الأصمّ وسرد المعلومات ليس بتقييم أصلاً (حدّثني صديق لي في دولة عربية مجاورة أن سؤال مادّة الجغرافيا في الاختبار النهائي كان التالي: اذكر الصناعات والزراعات الموجودة علىٰ طول نهر الأمازون!)؛ يعني اختبار للذاكرة في ساحة بعيدة أصلاً عن همومنا العربية. ومن ناحية أخرىٰ الأسئلة التعجيزية ليست باختبار.

وأشير إلىٰ أن هناك أدبيات متخصّصة حول أصول الاختبارات، وهناك توافق واسع علىٰ أن أقوم تقييمٍ للطلاب يتمثّل في أمرين:

 تقييم “مجلّد الإنجازات” طوال العام الدراسي، حيث يجمع الطالب أحسن ما قام به طوال العام، فيجري تقييم هذا الجهد المتراكم وليس مجرّد الإنجاز في اختبارٍ نهائي في بضع ساعات. ولا يخفىٰ أنه يحتاج هذا النوع من التقييم طاقماً تدريسياً أكبر.

الثاني هو المشاريع الجماعية. وتكمن أهمية المشاريع الجماعية للطلاب في أن الطالب الذي سيتخرج سوف يعمل في المجتمع وليس وحده في جزيرة غير مأهولة.

ج- أساليب عملية التعليم:

التعليم هو تدريس وتربية، ولا بدَّ لعملية التدريس من أن تحفز كينونة الطلّاب عقلاً ووجداناً. والدماغ ليس حاسوباً إلكترونياً نحشوه بالمعلومات؛ بل هو “ذكاء طبيعي” مفطور في الإنسان من ساعة ولادة الطفل. عملية التدريس هي إلىٰ حدٍّ بعيد تحفيز لجميع ملكات التلميذ، وتوجيهها، ودعمها.

وإن تحقيق كلٍ من هذه الأهداف الثلاثة يحتاج أساليب يدركها المعلمون الأكفاء. التدريس ليس هو محض الحشو بالمعلومات، ولا التحليق في المجرّدات؛ وإنما حركة مكوكية بين قطبي المحسوس والمجرَّد.

والتدريس أولاً وآخراً هو تربيةٌ تساهم في أن يكون الطالب شخصاً صالحاً يفيد نفسه ويعاون عائلته ويؤازر قومه ويساند بلده ويساهم في بناء حضارة أمّته.

وبالمناسبة، هناك من يجلب سيرة التكنولوجيا في التعليم وكأنها شيء سحري. لم توفِ أي أداة تكنولوجية بالوعد الذي قطعته في تحسين التعليم. طبعاً لا أقصد أنه لا يمكن الاستفادة من التكنولوجيا بحكمة، فلها أوجه فائدة أكيدة.

وطبعاً نحتاج أيضاً أن نحسب حساب الكلفة وفيما إذا كانت مبررة.

د- المادّة المدروسة:

اعتاد الأهلون علىٰ أن المادّة التدريسية هي الكتاب المقرّر فحسب. ويعكس هذا الاعتقاد تصوّر التعلّم بأنه تراكم معلومات، لا أنه عملية فكرية يجري فيها تشبيك المعلومات وفق صيغة معينة.

ولذا –وإلىٰ جانب الكتاب المقرر– ينبغي أن تجري الاستعانة بما يحيط بعالَم الطالب.

مثلاً افرض أنه حدثت محادثةٌ ساخنة في المدرسة بين كتلتي طلاب يحتضنون أفكاراً سياسية مختلفة، وانتهت باشتباك بالأيدي ثمَّ انفضّت. هذا الحادث مادّة حيّة للتدريس، يمكن أن يتمّ تناولها في عدّة موادٍ يدرسها الطلّاب، فيناقشون في مادّة الاجتماعيات التوجّهات السياسية في البلد ويناقشون في مادّة اللغة العربية أدب النزال، ويناقشون في مادّة الجغرافيا والتاريخ الخلفيات الاجتماعية للأحزاب وأتباعها…

وكثيراً ما تكون طروحات الصحف الناضجة مناسبة للنقاش (بحسب المادّة)، وكذا أحداث عالمية.

مثلاً انقلبت شاحنة محمّلة بالخضار عند منعطف الطريق المفضي إلىٰ الحيّ وصار الخبر حديث اليوم. فيكون من المناسب لأستاذ الفيزياء أن يستغل الحدث لشرح فكرة التوازن وتوزيع القوىٰ والنقطة المركزية في الأحمال، ومقارنة الحمولات الساكنة بالحمولات الحراكية الدينامية.

وتسمّىٰ هذه الحوادث في علم التعليم بـالـ”اللحظة التدريسية” التي تتفتّح فيها منافذ التعلّم، حيث تتشوّف النّفوس لفهم المسألة وتُحفز العقول لفكّ أسرارها.

مادّة التعليم تضمّ طيفاً واسعاً ممّا يجري في المجتمع وفي حيّز الطلّاب. وليست المسألة مسألة سردٍ لما يحدث وإنما تحليل وتشبيك بين مجريات الواقع والقواعد العامّة المنصوص عليها في الكتب.

هـ- أهداف المنهج:

صياغة أهداف المنهج التعليمي مسألة فكرية تجريدية، تخصّ عالم الأخلاق والمُثل ولا تنحصر في الوجه الفنّي للمادّة.

مثلاً إذا قيل من الأهداف تخريج أفراد يغمرهم شعور المسؤولية عن المجتمع، فهذه نقطة فلسفية وليست مجرّد معلومة.

وإذا قيل من الأهداف تخريج مواطن…، احتاج الأمر إلىٰ تفصيل في خصائص المواطنة وما نعني بها؛ يعني يمكن أن تُصاغ المواطنة علىٰ نحوٍ يمجّد الذات ويتمحور حول الخصوصيات، ويمكن أن يُربط مفهوم المواطنة بأسس أخلاقية والحرص علىٰ العيش المشترك المتسامي على المصلحة البحتة.

ومثلما يحضر سؤال الهوية في الدستور، فهو حاضر بعمق في المنهاج التعليمي.

هل سورية دولة عربية بمعنىٰ أن العربية هي اللغة السائدة بين المجموع الأعظم من السكّان، أم أن سورية دولة عربية بالمعنىٰ القومي، أم عربية بمعنىٰ أن هذه اللغة هي التي رصفت تاريخ سورية، أم أنها عربية بمعنىٰ تماثلنا اللغوي مع جوارنا الذين يعدّون بمئات الملايين، أم أن أهمية اللغة العربية هي خصائصها الفريدة المعروفة، أم لأن العربية هي لغة الحضارة التي صنعت تاريخنا، أم لأن العربية لغة الإسلام دين سكان الأغلبية الساحقة في المنطقة…

يعني أيّـاً من هذه الأبعاد سوف تشكِّل روح المنهاج.

ويمكن أن يكون من أهداف المنهج تخريج شخصية تستشعر المسؤولية عن سورية، يملؤها الاعتزاز بتاريخها الحضاري العربي المسلم، وتتطلّع للتقارب والتعاون مع الدول العربية الأخرىٰ، وتتشوّف للاندماج مع الأقطار الأخرىٰ في بلاد الشام.

ويمكن أن يكون هدف المنهاج تخريج شخصية حداثية رأسمالية أو اشتراكية، تؤمن بالحقوق اللبرالية وتزدري ماضيها العتيق وتراثها المتخلف (بالمناسبة، مصطلح الحداثة ليس له علاقة بالتكنولوجيا مثلما أن العَلمانية ليس لها علاقة بالعِلم).

هذه الأهداف أعلاه تخصّ علاقة أهداف المنهج بهوية البلد وتاريخه. ومن جهة أخرىٰ هناك أهداف عامّة مثل: تخريج طلابٍ ماهرين في البحث عن المعرفة التي لها علاقة بالموضوع، باستطاعتهم أن يربطوا تفاصيل المعرفة ضمن إطار رصين، ويتمتّعون بالتفكير النقدي، تملؤهم حوافز الإبداع والابتكار.

والخلاصة إن قضية التعليم قضية مركزية في صلب التغيير والثورة، ويترأس ذلك روح المنهج.

و- تحديث المناهج الدراسية وآلياته:

في الثورة عام 2011 جرىٰ الانتباه إلىٰ إشكالية المناهج الموجودة، ولكن تمَّ التعامل مع الأمر علىٰ نحو سطحي. وذلك أنه جرىٰ الحفاظ علىٰ المنهج السوري القائم (مادّة القراءة) بعد تمزيق صور الرئيس من الكتب وحذف فصولٍ تخصّ حزب البعث. ولا يخفىٰ بعد المناقشة أعلاه أن مسألة المنهج أوسع وأعمق من ذلك، فالمنهج القديم إشكالي في قلبه وقالبه.

وكان هاجس المتطوّعين الذين اشتغلوا بالتعديلات التجميلية يوم ذاك السرعة في تقديم بديل والحصول علىٰ اعتراف اليونسكو بالمناهج المعدّلة. ولا يخفىٰ أنه يعكس هذا الموقف منطقاً لاثورياً يفوته معنىٰ التغيير الجذري في المعاني والمخيال، فالثورات تنفض القيود المرئية وغير المرئية وتستأنف بدايةً جديدةً مستندةً إلىٰ شرعيّتها الذاتية. وحيث إن الشريحة المستهدفة من المنهاج المعدّل هي بمئات الألوف من الطلاب، فسوف يُجبِر ذلك المؤسساتِ الدولية علىٰ الاعتراف به، ما دام أن المنهاج علىٰ مستوىٰ مهني مقبول. وفي عام 2024 تمَّت الاستعانة بالمناهج التي كانت مستخدمة في إدلب (ولم أطّلع عليها). ومن قبلُ صدر منهاج في القراءة والتربية الإسلامية تحت إشراف د. عماد الدين رشيد، لكن طرأ عليه في مسألةٍ خطأ قبيح لا أدري كيف حدث، ومن السهل تصحيح هذا الخطأ. لم أطّلع على المنهاج، وأعرف أنه جرى تطويره بسرعة لا تسمح بالإتقان، ولكن لعله يصلح نقطة انطلاق لرفع نوعية المنهاج.

المسألة أنه ما من منهجٍ إلا ويحتاج تجديداً مستمرّاً. الأهداف الكبرىٰ لا تتغيّر إلا في منعطفات تاريخية، أما ما سوىٰ ذلك فينبغي أن يتمّ تجديده المستمرّ. وهناك عادةً لجان متخصّصة في تجديد المناهج، غير أن هناك فرقا أساسيا بين مواد العلوم الكونية من جهة، ومواد الأدب والعلوم الاجتماعية من جهة أخرىٰ.

(١) العلوم الكونية والعضوية:

لا تتوقّف الاكتشافات في مواد العلوم الكونية والعضوية، ولا بدّ من مواكبتها. نظرياً يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تقوم بذلك، أو أن تعتمد الوزارة منظماتٍ لاربحية لتقوم بالمهمة (=مؤسسات مجتمع مدني).

إذا اضطلعت الوزارة بالقيام بعمليات التحديث، فيتطلَّب ذلك منها تجنيد اللجان المتعدّدة في كلّ مادّة، وستخضع هذه اللجان إلىٰ قيود المؤسّسات الحكومية. اعتماد المنظّمات اللاربحية طريقة رشيقة تحمل العبء عن الوزارة بكلفٍ منخفضة. والأهمّ من ذلك أنه يصعب للجنة واحدة الإحاطة بطيفٍ واسع من التطورات العلمية، خلافاً لتوزيع الحِمل علىٰ طيفٍ من منظمات الخِبرة، ويبقىٰ في الوزارة لجنة لتحديث المناهج مهمّتها جمع المدخلات الكثيرة من منظمات المجتمع المدني وتنظيم هذه المواد بحسب احتياجات المراحل الدراسية المختلفة.

(٢) الآداب:

بعد عام 2011 اقترحتُ حلاً إسعافياً لمادة القراءة، وذلك عن طريق انتقاء مواد ميسّرة من عيون التراث ثمَّ تقسيمها علىٰ المراحل، وتحديداً اقترحت اختيار قطوفٍ من كتابات علي الطنطاوي ومن كتابات مصطفىٰ لطفي المنفلوطي ومن كتابات مصطفىٰ صادق الرافعي، باعتبارها تمثّل ثلاثة مستويات من الصعوبة. وهذه المصادر الثلاثة من تراثنا الحديث تتحقّق فيها شروط السلامة اللغوية والذوق الرفيع والمضمون الأخلاقي الراقي.

وبالمناسبة اللغة المستعملة في الكتب اليوم خليط من السليم والمتكلّف (ولي أخٌ فاضل -عافاه الله- يسمّي هذه اللغة المتكلّفة بأنها لغة “بعثية عفلقية”). ولا يخفىٰ أنه ينبغي أن يهيئ تدريس الآداب لإمكانية قراءة كتب التراث وتذوّقها وفهمها فهماً صحيحاً (مسألة تعود لأهداف المنهج).

موضوع الفنون مهمل بشكل عام، وعندما يتمّ الاهتمام به يجري دفعه باتجاه التقليد—طبعاً تقليد أوربة. إن الفنّ تعبير بشري تنعكس فيه خصائص الشعوب ومسلّماتها. تدريس الفنّ كمادة مستقلّة أمر مختلف فيه، حيث يمكن أن يكون الفنّ بعداً مساوقاً لتدريس المواد الأخرىٰ، وتحديداً الآداب.

(٣) التاريخ والجغرافية:

تساهم دراسة التاريخ والجغرافية في صياغة شخصية الأمّة. وإنه لمطلوب دراسة تاريخ بلدان العالَم وجغرافيتها، وخصائصها الذاتية وعلاقتها ببلادنا. غير أنه –لا يخفىٰ– أنه يُطلب التركيز الكامل علىٰ بلاد الشام والبلدان العربية والبلدان المسلمة (بالترتيب المذكور).

بمعنىٰ أنه يطلب (بحسب أهدافٍ مفترضة في المنهج) أن يكون الأفق العام أفق تقاربٍ وتوحيدٍ بين البلدان العربية. صيغة هذا التوحيد مسألة أخرىٰ، وهناك صيغ مرنة تأخذ بعين الاعتبار المسارات الجزئية التي مشت فيها مختلف البلدان (مثلاً بلدان المغرب العربي). أما بلاد الشام فلا بدّ أن تدرس كوحدةً مفهوماتية، وذلك أن تقسيم بلاد الشام إلىٰ أربعة أقطار أضعف كلّ منها بحيث لا تمكّنها خصائصها الذاتية من القيام المكين.

ولا يخفىٰ أن العبارات التي تمجّد الـ”قُطر” هي عبارات تمهّد للتنافر والتصادم وتُبعد التعاون والتنسيق. مثلاً يمكن أن نحوّل مسألة نهر العاصي مسألة تنافس وصدام بين سورية ولبنان، أو ندرسه علىٰ أنه وحدة بيئية اعتدت عليها سياساتُ المستخرِب.

لا يُعقل إلا وأن يعاد فهم العصرين الأموي والعباسي الأول. وحتىٰ العهود اللاحقة، وعصر المماليك فهناك دراسات جديدة تُنضج الفهم. أما الذي سوف يكون حوله استقطاب فهو تدريس تاريخ الدولة العثمانية وعلاقته بالعراق وبلاد الشام. وهذا الاستقطاب ثنائي: مسلم/غير مسلم من جهة، ومسلم ملتزم/مسلم قومي من جهة أخرىٰ. وبعيداً عن الجدل وأساطير الأفلام، جرت في العقدين الماضيين دراسات مهنية معمّقة للدولة العثمانية بشكل عام ولعلاقاتها العربية أيضاً؛ ونتاج البحث العلمي هو الذي ينبغي أن يكون بديلاً عن الطروحات التاريخية المؤدلجة.

(٤) علوم الاجتماع والسلوك:

تختلف المناهج في مدىٰ إفرادها لعلوم الاجتماع، بما في ذلك علم النّفس. فهناك مَن يراها علوماً أساسية يُطلب تدرسيها كمادة مستقلّة، وهناك مَن يرىٰ أنها علوم متخصّصة وأن الأفضل أن تتخلّل موادُّها موادَ الأدب والتاريخ والجغرافيا.

أيّـاً كان الأمر، ينبغي ألا يكون هناك شكّ أن مضامين هذه العلوم (علوم الاقتصاد والسياسة والاجتماع والنّفس) مضامين خطيرة. والتبعية للبلدان الغربية هي في جذرها تبعية ثقافية فكرية، ومنافذها الرئيسية أفكار هذه العلوم الأربعة. وما عليك إلا تذكّر مضامين فكر حزب البعث وما آل إليه.

(٥) التربية الإسلامية:

مادّة التربية الإسلامية تحدٍّ كبير من جهتين علىٰ الأقلّ: الأساتذة والمضمون.

ربما يذكر أكثر الطلّاب أساتذةً لهم لمادة التربية الإسلامية جيدين وأساتذة آخرين غير ذلك. وبفرض أن كلّ أساتذة التربية الإسلامية جدّيون في التزامهم، كيف نضمن سلامة الأسلوب ونضمن سلامة الفهم. وقد يجاب علىٰ ذلك بأن هذا التحدّي ليس مقتصراً علىٰ مادّة التربية الإسلامية، ويسري علىٰ باقي المواد. ولكن باقي المواد فيه بعدٌ معرفي خالص، في حين أن الهدف الأساسي المفترَض في مادّة الإسلاميات هو التربية لا مجرّد المعرفة.

وكما هو معروف هناك تفاوت شديد في فهموم المتخصّصين في الدراسات الشرعية. ويُجاب علىٰ هذا الاحتراز بأن طبيعة المنهج والمادّة التدريسية هي الفاصل، بمعنىٰ أن المادّة التدريسية ينبغي أن تكون ممّا عليه توافقٌ بين كلّ المذاهب الفقيهة والمدارس الفكرية الإسلامية. بمعنىٰ أن هناك كلّيات غير مختلفٍ فيها في مواضيع الاعتقاد والأخلاق والعبادات. ففي بُعد الاعتقاد لا خلاف علىٰ التوحيد والتنزيه والمعاني التربوية للأسماء الحسنىٰ، ولا خلاف علىٰ فكرة بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين، ولا خلاف حول دور الرسول في التبليغ ووجوب اتباع سنّته، ولا خلاف علىٰ المضامين الأخلاقية للرسالة الخاتمة.

وسأعرض ثلاثة مداخل للتعامل مع هدف التربية (وهي آراء من إسلاميين ملتزمين ثوريين، لكن قد يكون فيها ما هو صادم):

هناك مَن يعتقد أننا لن نضمن النوعية الجيدة للتعليم الإسلامي في المدارس حتىٰ ولو سلم المنهج، وذلك بسبب التفاوت الشديد في مستويات الأساتذة، ولربما كوّن التلامذة فهماً مغلوطاً أو نفروا من الدّين بسبب مادّة التعليم الدّيني في المدرسة. ومن ناحية أخرىٰ ما يحتاجه التلميذ من المعرفة الدينية يتحصّل له من خلال الأسرة والبيئة، ولا سيما أن النشاطات الإسلامية في مناخ الحرية سوف تكون كثيرة وكثيفة. ولكن يُعترض علىٰ ذلك بأن بعض الأسر غير متديّنة، وأنّ ما يلتقطه الولد من البيئة قد يكون خليطاً لا يُعتدّ به، وأنه لا بدَّ من تعليم ما لا يسع مسلماً أن يجهله.

وهناك مَن يرىٰ أن ما يتشرّبه الولد (ذكر أو أنثىٰ) من الفعاليات الاجتماعية أكثر وقعاً في النّفس، ولذا يمكن أن يجري توكيل فريق ثالث بالتدريس الديني. بمعنىٰ أن مادّة التربية الدينية لا تُدرّس في المدارس، وإنما يُطلب أن يأتي الطالب بشهادةٍ تقرُّ بأنه قد شارك في برامج ومساقات دينية خارج المدرسة.

وهناك مَن يرىٰ أن مادّة التربية الإسلامية ينبغي أن تبقىٰ في المدارس، ولكن يُطلب أن يجري تثوير مضامينها، وليس هو حقيقةً تثوير بقدر ما هو استذكار لأصل الهدف. فليس الهدف من تدريس التربية الإسلامية تخريج فقهاء صغار، كما أن أكثر أحكام العبادات في حقّ التلميذ (الصلاة والصوم) يتشرّبها الأولاد من بيئتهم وحياتهم الاجتماعية. إن الهدف من مادّة التربية الإسلامية هو التربية الأخلاقية من منظور ديني إسلامي. وهناك فائض من الكتب والقصص التي يمكن أن تشكّل لبّ مادّة التربية الإسلامية وتحقّق الهدف علىٰ أحسن وجه. وأصلاً إذا كان المنهج بكليّته قد صمِّم من منظورٍ ديني إسلامي، فالعلوم الكونية والعضوية سوف تدلّ علىٰ التوحيد وفكرة الخَلق، والآداب سوف تدلّ علىٰ فكرة الحساب علاوة علىٰ فكرة طهارة المسلك الخلقي، والتاريخ والجغرافيا سوف يشملان السيرة النبوية.

خاتمة القسم الأول:

بغض النظر عن المداخل الثلاثة المذكورة أعلاه عن التربية الإسلامية، مَن الذي يحكم علىٰ المادّة: وزارة الأوقاف، أم وزارة التربية والتعليم؟ المحذور أنه إذا سلّمنا قرار التدريس للحكومة فربما تحيف (أو غالباً سوف تحيف) علىٰ المضامين مع مرّ الزمن. وأوليس التدخّل الحكومي في تدريس الدّين يجرّ بالتدريج إلىٰ شواطئ النموذج الثيوقراطي. وإذ قلنا إنّ المنظّمات المتخصّصة للمجتمع الأهلي/المدني هي الأقدر علىٰ تجديد مناهج العلوم، فهذا أولىٰ بمادة التربية الإسلامية.

وهناك من يقول لماذا نعتسف الأمور. إن تطوير منهج مدرسي لائق لا يتصوّر أن يكفيه أقل من ثلاثة سنوات، فدعنا نستنقذ كتب القراءة والديانة من أعوام الخمسينيات، فقد كانت جيدة ومتوازنة!

التعليم العالي

ما يلي مقتطفات من ورقة بحثية بعنوان ” التعليم العالي في سورية الغد: خيارات ومسارات”، كان قد تمَّ تقديمها في ندوة المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية، تونس، 21 ديسمبر 2011. (الرابط في نهاية المنشور)

أصبحت الشهادة الدراسية جواز مرورٍ إلى الحداثة ووعداً صادقاً بالرفاه؛ أو أنها تحسب كذا. المستوى التعليمي مصدر فخرٍ شخصيٍ كما هو مصدر فخرٍ للشعب والدولة. النهوض بالتعليم هو المشروع النهضوي الوحيد الذي يحظى بالإجماع. ولكن فائض التعليم هو أيضاً مصدراً لخيبة الآمال والتفكير في التغيير والثورة. والتعليم يمسّ كل مؤسسات المجتمع، فيؤثر على علائق الأجيال بعضها ببعض، وبعلائق الجنسين وخيارات الزواج، وله أيضاً علاقة وثيقة بالتنمية والاقتصاد، صعوداً وهبوطاً وإمكانياتٍ وكموناً.

مسألة التعليم وإن كانت تتصل بالإمكانات الشخصية ومستوى الذكاء، هي أولاً نتيجة مباشرة لخطط الدولة وترتيبات المجتمع. ومسألة التعليم هي من أعصى تحدّيات التخطيط، وبخاصة في بلد سريع نمو السكان. والتعليم يؤخر دخول اليافعين إلى الحياة الاقتصادية المنتجة، ويرفع من توقّعات المستوى المعيشي للمستقبل. ومن جهة أخرى يستلزم دعم منظومة التعليم توفير خدمات معينة لا يمكن للدولة تجاهلها.

وابتداء لا بدّ لمنظومة التعليم من أن تكون منسجمة مع آمال الشعب وأمانيه. ومن وجه آخر، لا بد أن يدرك الشعب تبعات النموذج المختار وأن يدرك الكلفة المالية لأمانيه وأحلامه.

معضلات في تصميم البنية التعليمية:

1- تكافؤ الفرص في التعليم مطلب أساس. ولكن ما الذي يؤهل الفرد للحصول على حقّه في التعليم العالي؟ فما هي المواصفات الضرورية للطالب حتى يعتبر مؤهلاً؟ وفي غياب التأهيل، ما الذي يجب بحق إدارة التعليم فعله لرفع مستوى التأهيل؟ أي ما هي ضوابط القبول في منظومة التعليم العالي التي يعتبرها الشعب انتقاء عادلاً، وماذا ينبغي فعله تجاه كمون الأهلية وليس الأهلية بعينها؟

2- كيفية تمويل التعليم العالي. هل سيكون مجاناً تتحمّل نفقاته الحكومة أم أنه سيكون مقابل رسم محدّد؟ وهل سيسمح للقطاع الخاص أن يدخل في العملية التعليمية أم لا؟

3- كيفية إدارة التعليم العالي. هل سيكون مركزياً للحكومة دور كبير فيه أم لا؟ وهل سيقتصر دور الحكومة على رسم الضوابط أم الإدارة المباشرة؟

4- وجهة التعليم العالي ومدى تركيزه على الأبعاد النظرية أم التطبيقية التي لها استجابة مباشرة لسوق العمالة.

5- درجة وطبيعة تدخّل الحكومة في توجّه المناهج.

وينبغي الا يغادرنا الحذر من خطط تعليم انتقائية يتمّ فيها التركيز على تدريس نخب من المجتمع لتكون مهيأة للتعامل مع القوى المهيمنة أو تمثيلها بعد توليف مناهج تفكيرها على خط مسلمات عصر التنوير وبعد ترويض أذواقها لتكون الباب (أو الشباك) الذي تتسلل منه كلا البضائع والعادات وطرق المعاش بحيث تصبح السيطرة ذاتية وطوعية.

وفي حين أنه جرى بعد الاستقلال تعلّق وهمي بفكرة التقنية كمدخل سريع للتحديث، غُفل عن أمر الزراعة غفلة شبه تامة إذ اعتُبرت أنها مما يتعلق بزمن التخلف ولا حاجة للاعتناء بها، برغم أنه ينبغي أن يكون الأمن الغذائي من الأولويات الحرجة.

وقادتْ محاولة الشرعنة السياسية للنظام التعليمي إلى ارتهان فيها الخطط التعليمية إلى السياسة وأولوياتها على نحو بالغ، ووقعت في شرك إيديولوجيات متناحرة يجمع بينها عدم لصوقيتها مع الثقافة الشعبية ومع الحاجات الملحّة للمجتمع. فتعثّرت هذه المنظومات في مضائق خانقة من ساعة ولادتها. وزاد الطين بلّة ضعف شرعيّة حكومات فترة ما بعد الاستعمار التي جعلها تهتم بالتعليم من زاوية إضفاء الشرعية، فبرغم أنها أنفقت على التعليم بسخاء، لم تكن الأولويات مدروسة ولا الأهداف مناسبة ولا الإنفاق راشد.

نماذج مشهورة:

إن الاستفادة من التجارب العالمية يدفعنا إلى مناقشة خمسة نماذج للتعليم العالي: ألمانيا والولايات المتحدة واليابان وفرنسا وانكلترا؛ ويعمد في كل منها إلى رصد عدة أبعاد منها: (1) تقسيم المسار الدراسي في المرحلة الثانوية لما قبل الجامعة -من ناحية ارتباطها بالتهيئة للتعليم العالي- إلى مسارات متفاوتة في الوجهة التعليمية؛ و (2) مدى اصطفائية المنظمومة وشمولها؛ و(3) التركيز على الأبعاد النظرية الأكاديمية أم التطبيقية المهنية في المناهج، و(4) دور الحكومة، وإدارة جهاز التعليم والإنفاق عليه. وأنبّه إلى أنَّ هذه المنظومات التعليمية في تغير وتتطور مستمرّ، وسيكون التركيز على سماتها العامة.

1- النموذج الألماني: أبرز ما يميز النموذج الألماني هو وضع الطلاب على سكة محددة معروفة النهاية في أوائل الشوط التعليمي.

2- النموذج الأمريكي: يمثل النموذج الأمريكي النموذج المعاكس في خصائصه للنموذج الألماني في أغلب صفاته، فإلى حدٍّ كبير ليس فيه سككاً واضحة مفروضة على طلاب المرحلة الثانوية اتباعها. بل هناك فسحة واسعة في المواد التي يأخذها الطالب وفي الشهادة التي يرجوها.

3- النموذج الفرنسي: يتميز بشكل عام بأنه على درجة عالية من المساواة في أدنى مراحله، بينما هو ضيق كثيراً في أعلاه؛ أما الوسط فيتميز بتعددية وخيارات واسعة. والنموذج الفرنسي، وكذا السويدي، يعدّ النموذج السائد في التخطيط للتعليم العالي في أروبة. 

4- النموذج الياباني: يتحلى النظام الياباني بالروح الشرقية وإن كان يعتمد بنية تنظيمية غربية. ومن المحتم أيضاً أن نطرد من أذهاننا الصورة النمطية للسلوك الياباني في أنه محض تقليد للغرب. فبرغم كل التشابه الظاهري بين اليابان والدول الغربية، ما زالت اليابان إلى اليوم بلداً مربوطاً بتراثه التاريخي على نحو قوي، وهذا الارتباط ليس مجرد ارتباط عاطفي رمزي تفاخري، وإنما هو ارتباط في طرق التفكير والتنظيم. والمزج بين التنظيم الغربي والروح الشرقية لم يكن مجرد أمر اعتباطي أو لاشعوري، بل كان قراراً واعياً من أيام الإصلاح الميجي في الستينيات من القرن التاسع عشر.

وعلينا إذاً أن لا نستغرب أن الأهداف الخمسة لتعليم المدارس الثانوية في اليابان تضمنت بندين اثنين يعكسان هذه الروح: “غرس قيم الاحترام والتقدير للاجتهاد في العمل”؛ و”تعزيز العقلية الجماهيرية”.

النموذج الياباني يبدي تقييداً محدوداً في السكة التي ينبغي على طلاب المرحلة الثانوية السير عليها (أكثر من النموذج الأمريكي وأقل من الألماني). فيظهر التوجيه نحو سكة أكاديمية معينة فقط في السنوات الأخيرة للدراسة الثانوية، أما السنوات الأولى من الدراسة الثانوية فليس فيها تسليك.

ملاحظات عامة حول النماذج العالمية:

1. تعدّد هذه النماذج تذكّرنا بضرورة رفض المنطق الحداثي المحنّط الذي يفترض وجود نموذجٍ واحدٍ يتمتع بالصلاحية المطلقة والعالمية.

2. نما كلٌ من هذه النماذج في سياق وطني، وارتهن إلى حدٍّ كبير لظروفٍ اجتماعية تاريخية ثقافية.

3. تطورت كلٌ من منظومات هذه الدول استجابة للاحتياجات الخاصة ورؤية النخبتين السياسية والعلمية.

4. كلٌ من هذه النماذج هي نماذج منظومات دولة قوية صاعدة (أو كانت صاعدة) على مستوى البحث العلمي والاختراع والرفاه المعيشي.

5. كلٌ من هذه النماذج أدرك ضرورة توسيع القاعدة الطلابية بحيث لا تبقى مقصورة على النخب التقليدية.

6. كلٌ من هذه النماذج بقي وحرص أن يكون وطنياً بامتياز، برغم انفتاحته العالمية.

7. كلٌ من هذه النماذج حرص على تخريج نخبة طلابية متينة الإعداد، وإن اختلفت النماذج في طريقة الوصول إلى هذه النتيجة وفي حجم هذه الشريحة المتميزة.

8. كلٌ اعتنى بالاستفادة من طاقات المتخرجين بالتوظيف في المفاصل الحيوية للدولة، وإن اختلفت المؤسسات التي تمتصّ النخب الطلابية تبعاً لتركيبة منظومة الدولة (لا تظهر بشكل واضح في حالتي ألمانيا والسويد).

9. هناك تفاوت كبير في مدى خصخصة نظام الدراسات العليا، وهناك إنفاق حكومي على المرحلة الثانوية وما يسبقها.

مرض الشهادات:

هناك أطروحة “الإغراق في طلب الشهادات” طرحها كتاب “مرض الشهادات”، وملخصها أن هناك حلقتين ذاتيتيّ التغذية: (1) ازدياد الطلب على الشهادة العلمية من أجل القبول في الوظائف، الذي ينتج عنه تسارع في نسبة التضخم التأهيلي وطلب الشهادة فيما لا تلزمه الشهادة، مما يشجع الطلاب على تجميع مزيد من الشهادات. (2) الإفراط في التدريس المستند إلى الفحوص ينتج عنه نوعية أدنى من التعليم، مما يدعو لطلب درجات دراسية أعلى…

من التوصيات:

تفصيل منظومة التعليم العالي لما بعد الشهادة الثانوية بحيث تشمل أربعة أنواع متباينة: الجامعات البحثية، والجامعات التعليمية، والمعاهد الفنية، والمعاهد المتوسطة. ولكلٍ من هذه الأنواع أهداف تعليمية مختلفة…

التعليم بالعربية:

نذكِّر بأمرين. الأول هو أن التعلم باللغة الأم يحرِّض الكيان الإنساني بجملته، مما يمكِّن من الإبداع أكثر بكثير من تناول المعرفة بلغة أجنبية لا يكاد المرء يتقنها وليس له دربة في مجازها وآفاقها؛ أي أنَّ هناك علاقة بين اللغة والفعاليات الذهنية. الثاني، التعليم بلغة أجنبية سوف يكون منحازاً حكماً للطبقة التي تمتلك الوسائل المادية للسفر إلى البلدان الأجنبية، الأمر الذي ينجم عنه تفارقات اجتماعية ورغبة في الترّفع الطبقي ويترجم انحيازاً ضد الغالبية العظمى من المتعلّمين…

مازن هاشم
2024-12-25

Tagged: , , ,

One thought on “البنية المؤسسية للوطن: 4-النظام التعليمي

  1. أفاتار غير معروف
    غير معروف 2025/01/19 عند 10:43 ص Reply

    اخي الكريم مازن جزاك الله الخير كل الخير على هذه السلسلة المنهجية والاساسية لبناء دولة ونظام … رغم انني لم اقرء بعد كل السلسلة الا ان اعجابي بالجزء الصحي والتعليمي دفعني لان اشكرك على هذا الجهد … لكان ما تتكلم به هو افكر به … الحمد لله كنت اخد السباقين في انشاء مدرستين في ولاية اوهايو … رغم ان التجربة مختلفة تماما الا انني اعلم عقم التعليم في بلادنا وان انتجت شبابا مثقفا فلان مستوى الطالب اعلى من المنهج ولان الاهداف ارفع من الاساليب التعلمية. اسال الله ان يقدرنا ان نعود لنبني منظومة تعليمية وفكرية وصحية قائمة على التدافع الايماني والمنهج الرباني جزاك الله كل الخير .. من بعد اذنك ساحولها الى اخواننا في الشام واخواننا في مسجد الايمان لعلهم يستفيدوا منها … واخيرا انا مع الدفع التعليمي في المساجد رديف قوي لتوفر اخلاقيات التعليم… لكن يجب ان نوفر الوسائل والمادة والحوافز والمال … وخصوصا في هذه الفترة العصيبة … ومع الدورات المكثفة لمن انقطع عن التعليم فترة من الزمن …

أضف تعليق