التشكيلات المجتمعية البينية

لقد كُتب الكثير في تغيّر التشكيلات المجتمعية في مجتمع الحداثة وفي مرحلته المتأخرة بخاصّة والتي أُطلق عليها وصف ما-بعد-الحداثة. غير أن ما يدعو إلى التطرّق للموضوع في سياق المجتمعات المسلمة هو أن تلك التغيّرات ترسّخت إلى حدٍ بعيد من وجه، وتوطّنت في غير بلدان ثقافات المنشأ من وجه آخر. وكمؤشرٍ ناطق على هذا خبر نيّة الاحتفال برأس السنة الميلادية في بلاد الحرمين وتوقّع الترحيب بذلك من قبل شريحة ليست صغيرة من الشعب. لكن ولو سلّمنا بأن التشكيلات الحديثة توطّنت في بلاد المسلمين وجرى تطبيعها فإننا نذهب إلى القول إنها لم تصبح طبيعيةً.  وسبب ذلك أن هذه التشكيلات الحداثية تتصادم مع ما يُفترض أن يولّده النسق الثقافي التاريخي للمسلمين. وبرغم توجّه جزءٍ من الخطاب الفقهي إلى التلفيق مع معطيات الحداثة، لا يفتأ أن يصل هذا حدّ الاصطدام والتنافر مع منطلقات الثقافة الإسلامية، فيحفز ردود فعلٍ ناضحةٍ وغير ناضجة، وهو الأمر الذي يُعيد فيُبرز إشكاليةَ المستورد الوافد.

التضارب بين الموروث والوافد صحيح على كل غير بلدان الثقافة الأوربية (أوربة و أمريكا الشمالية و أستراليا إضافة إلى روسيا)، وعلى رأسها البلدان الأفريقية وبلدان المشرق الآسيوي. والهند شاهدٌ على ذلك من ناحيةٍ سياسيةٍ حيث كونها (أكبر ديمقراطية) لم يُلغِ طبيعةَ اجتماعها، والصين شاهدٌ آخر قوي حيث كونها أكبر رأسمالية (وباعتبار أنّ البُغاث الرأسمالي هو محرّك ترسيخ التشكيلات الحداثية) لم يُلغِ طبيعةَ اجتماعها. بلدان أمريكا اللاتينية حالةٌ أخرى تضيء المسألة، حيث أن مسيحيّتها تؤهلها لاستقبال الحداثة لكن تاريخها لا يؤهلها أن تكون جزءاً من نادي الثقافة الأوربية ويجعلها بلاد خليطٍ غير منسجم. المجتمعات المسلمة عامّة -التي تشهد جميعها تغييراً في الأعماق- تترنّح بين تشكيلاتٍ قديمة تقدّدت وجرى تسميمها وبين تشكيلاتٍ حداثيةٍ متنافرةٍ داخلياً.

باعتبار ما سبق من خصوصية النموذج الحداثي للحيّز الثقافي الحضاري الذي تترعرع فيه وباعتبار انتشاره العالمي وترسيخه بِنياتٍ قاهرة وأذواقٍ ثقافية شائعة، نتفحّص أدناه طبيعة التشكيلات المجتمعية التي تدفع إليها المنظومة العالمية الراهنة. ونحدّدها في خمسة أوجه متوزّعة على صُعُد الفرد والأسرة والمهنة والمدينة والطائفة.

الفرد

لقد تأيّن (ionization) الفرد المعاصر ليقترب من صورة تشكيلة مجتمعية بنفسه. فبينما كان الفرد يُكيّف نفسه لصالح اجتماعٍ أكبر منه، يُسخّر له قواه ويُخضع له حتى ذوقه مُهذّباً أنانية مزاجه، أصبح الفرد يرى أن من حقّه فرض نشوزه على المجتمع وأن على المجتمع تكييف نفسه معه وتلبية مطلب الشذوذ الشخصي. وعبارة (الشخصي هو سياسي) بين الفيمنست لغةٌ دالّة على هذا.

ما مكّن تضخّم الفرد وتشبّهه بما هو من غير جنسه له طرفٌ ثقافي معروف وطرفٌ هيكلي أخفى. وتبرز الـمَكَنة الافتراضية على رأس ذلك الطرف الهيكلي، تلك الذي جعلت من الفرد هيكليةً وبنيةً متعدّية، ومعتديةً أيضاً. ولعلّه لا يشهد على ذلك مثل ظاهرة “ذواتي التأثير” (influencers) الـمُميلات المائلات حيث أن وظيفتهنّ هي التبرّج بأسنمة البخت ليستقطبوا إنساناً مفرّغاً من المعاني. والنمط الذي نحن بصدده لا يتعلّق بمعنى الجمال الذي تعشقه النساء ويأخذ بلبّ الرجال، وإنما هو التفلّج للحُسن والنفخ بالسمّ. ووجه انتصاب ذلك تشكيلةً اجتماعيةً هو أنّ هذا الفرد النشاز مرتبطٌ عامودياً بشركاتٍ ضخمةٍ لها سيطرة كبيرة على الحياة. ففي حين كانت قوى الفرد وجهدُه يمرّ عبر طبقاتٍ متراتبة من الأسرة إلى الحيّ وعبر البلدة وإلى ما هو أكبر من ذلك، قوى الفردِ اليوم يمكن أن تنفكّ عن مداراتها الأصلية وتُنشئ مداراتٍ جديدة اصطناعية تنافس المداراتِ الأصلية أو تلغيها.

ويضاف إلى ذلك فكرة اللهو الذي أصبح يرصف التوقّعات ويستهلك الأوقات. وانحسار الضوابط الأخلاقية في اللهو بلغ مبلغ التشكيل الفلسفي. ففي حين أن نازع الاستجابة للشهوات أمرٌ قديم معروف للبشرية، المميّز في هذه اللحظة التاريخية هو استحقاقية المتاع وشخصنة الأخلاق. والمقصود باستحقاقية المتاع هو أن التمتّع كان كالملح للطعام وأصبح الآن هو الإدام. فكل شيء ينبغي أن يتحوّل لعباً وتسلية، من التعليم وإلى التعبّد. تجاوز الحدود الأخلاقية إشباعاً للشهوات أمر مطّردٌ، ولكن الجديد فيه هو تطبيعه والسخرية من الأخلاقية على أنها مثالية وعلى أنها كبتية.

العالم الافتراضي أصبح تشكيلةً اجتماعيةً لأنه يُمرّر دواعي السيطرة الخارجية لتصل إلى شغاف المجتمع وأخصّ بِنياته. هذه الهيكلية الجديدة تُنشئ مجموعات أفرادٍ يلمّ بعضها بعضاً هوىً فاسداً أو عابثاً. فليست المسألة فحسب وجود أشخاصٍ لهم هوى غريب يتموقع على ضفاف المسخ النفسي، وإنما تعظيم هذا الهوى من خلال الإعلان والمجاهرة ومن خلال تراكم ألوان الغرابة والمسوخ.

والعالم الافتراضي هو تشكيلة اجتماعية أيضاً حيث أنه بسبب ترهّل مؤسسات المجتمع الأصيل (الذي يُقال له تقليدي) وبسبب تصلّب مؤسسات الحداثة وتعقلنها الذي تعوزه الرحمة ويُعجزه التعاطف، أصبح هذا العالم الافتراضي بديلاً يبدو ناجعاً لمساندة الفرد المسحوق من جهة والممسوخ من جهة أخرى. ولا عجب إذاً أن يتحوّل العالم الافتراضي في آنٍ منصّةً للتعلّم المبتور والعنف المسعور والعُجب المفتون.

من ناحية عملية، هذا العالم الـدردور (whirlpool) الذي يمتصّ الروح والبدن معاً لا يمكن التعامل الجزئي معه وليس من خيارٍ إلا انتشال النفس منه والعودة للطبيعة من جهة ولِلُحمة الاجتماع من جهة أخرى، أُخوّةً وتكافلاً وتآزراً. وللأسف فإن الذي يدفع إلى فطرة الطبيعة والاجتماع اليوم هو التفقير والتنكيل، واللذين بدورهما يولّدان أسوأ ما عند الإنسان وأحسنه.

الأسرة

الأسرة هي محضنُ الوليد ومأمنُ المراهق وحقلُ زراعة البالغ ومَخدَمُ الـمُسنّ. ومنذ حلّت ظلمةُ عصر الأنوار تتلقّى هذه المؤسسة -التي صاحبت تاريخ الإنسانية- الضرباتِ الثقافية والهيكلية. ولقد جاءت الرماح الثقافية الطاعنة في الأسرة من جهتيّ طغيانٍ: فلسفيٍ فردي في الأنظمة الديمقراطية الرأسمالية و فلسفي إداري من جهة الأنظمة الشيوعية. غير أن الأثر الأكبر أتى من جهة أسهمٍ رشيقةٍ متمثّلةٍ في أعراف الحداثة. فمن خلال تذويب الأعراف التي تحمي قوام الأسرة بدت هذه الوحدةُ الفطرية وكأنها آسرةٌ للفرد وإنجازه وليست آسرةً للفردية وأنانيتها. وفي دورها الحديث المزمع تُدفع الأسرة لتكون مدجنةً لتفريخ منتجٍ ناجح. ومهمة هذا المنتج الناجح -لحظة بزوغ فرصة استغنائه- أن يركل العشّ الأول ليحقّق استقلاليةً مزعومة تُعتبر عنوان النضوج ودليله. والأعجب أنه يُطلب من الأبوين أنفسهما أن يقدّما لليافعين ما يساعد على هجرهما.

لقد أصحبت إيديولوجية تحقيق الذات هي المعيار الخلقي للتربية الحسنة. وتحقيق الذات لا يتوجّه إلى إنجاز خيرٍ يتطلّع لأن يعمّ وإنما إلى إنجاز عُجبٍ يتطلّع لأن يخصّ. وبذلك يعكس بِنية اقتصادٍ ربويٍّ همّه التكاثر. وهذه البنية على الصعيد الكبروي للمعاش يقابلها على الصعيد الصغروي نمط الحياة الفردي (lifestyle) الخاص. وفي حين أنّ دور العائلة في الإنتاج الاقتصادي أمرٌ معروفٌ في تاريخ البشرية، كان نشاطاً جماعياً لتحقيق التكافل ضمن الوحدة المعيشية. الحداثة المتأخرة حوّلت هذا النشاط إلى نشاطٍ فردي تُطارده رغباتُ تحقيق نمط حياةٍ خاصٍ بالفرد يجري فيه الانفصال الفيزيائي والشعوري عن الأهل والأقرباء لينضم هذا الفردُ الذي نجح (made it) إلى مجموعاتِ نمطِ حياةٍ ونوادٍ خاصة. وعندها تصبح غاية الإحسان أن يدعو الفردُ الناجحُ أهلَه إلى سياحةٍ في الوِكر المترف الذي نجح في حيازته لساعاتٍ أو أيام. وضمن هذا التوجه يتضاءل المعنى الأخلاقي للزواج ويصبح لاعقلانياً. لكن يضطر إليه الفرد فيتزوّج من أجل استدامة (اللايف ستايل) ولتكون الزوجة أحد أثاثاته كما هو أحد عجلاته، ويعيش كلاهما خبط سرعة الحياة في سباق مسّ (المعاظمة) لكلّ شيء. وحيث أن وصول غالبية الأفراد إلى فردوسٍ أرضيٍ ممتنعٌ سبباً وإحصاءً، يقتصر (النجاح) الناجح على فئات صغيرة، وتبرز عن الآخرين آليةُ التعويض من خلال التوجّه نحو الشذوذات -أياً كانت- على أنها تحقيقُ ذاتٍ. وعلى الطرف الآخر الذي تنعدم فيه وفرةُ الأسباب يتّخذ الشذوذُ أشكالاً أخرى خطيرةً بما في ذلك أعمال أذى إجرامية.

ومن جهة أخرى غاب التثقّف من مؤسسات التعلّم المؤلل الذي بدوره أصبح يساهم في طمس الإنسان الخُلقي الراقي لصالح صناعة الإنسان النفعي (الروباتي). وصحيحٌ أنه يوجد إلى جانب هذا التنميط الجائر هوامش إبداعٍ وخاصةً في رياض الأطفال، ولكن سرعان ما يتمّ تصريف الإبداع -منذ سنّ البلوغ- في مجاري معادية لفكرة الأسرة: حقول مهن فنّ النزوات و تسلّطات إدارة الأعمال وقوانينها وما شابهها من حقول.

أما ثلاثة الأثافي فهي الجندرة الناكرة لجوهرية الذكر والأنثى، في حين أن الإنسان خُلق ذكراً وأنثى تكويناً مقصوداً ضرورياً لاستمرار الحياة ولقيامها. والجندرة في جذرها هي تقليصٌ لتراكيبية الإنسان وتضخيمٌ وتحريفٌ لبعض أبعاد وجوده.

والتناذر الجندري متضخّمٌ عند النساء خاصّةً لأن الفطرة الأنثوية أكثر تصادماً مع صلادة بِنية الحياة المعاصرة وديكتاتورية سوق العمل الكوربوريشنية. والرجل منذ قديم الزمان يغامر بعيداً عن محلّة الإقامة بحثاً عن صيدٍ يعود به محمّلاً بالفخر لتشترك فيه العائلة والمجتمع بأسره. أما الأنثى فهي منذ قديم الزمان تطوف حول مكان السكن تلتقط الثمار فتتكامل حمية الغِذاء وتتجمّل رقعة الحياة وتسكن. وتابعت الأنثى أدوارَها في إنتاجٍ داعمٍ وقت الحلبِ وفي موسم الحصاد، أو في تطبيبٍ في لحظات مواجهة مع الأعداء. ولكن نمط الحداثة يدفع إلى تحويل النفس إلى قطعة في عجلة الإنتاج. ولا بدّ في الطريق من الدَوس على رهيف الأنوثة وأُنسها، وذلك جنباً إلى جنبٍ بالمتاجرة بهما ضمن آليات الاستهلاك الشهواني وأولويات السوق. وفي رحلة الأنوثة من الفطرة الطبيعية إلى الجندرة الاصطناعية، تمرّ المرأة بمرحلةٍ تظهر فيها البطولاتُ محاولةً المواءمة بين ما بقي من أدوارها الفطرية وما قذفها فيه النمطُ الجندري الحداثي. وبطولات النساء مشهودٌ لها في التاريخ في لحظاتٍ خنساوية، لكنها الآن بطولاتٌ مجيّرةٌ لصالح هدم زوجية الذكر والأنثى في خدمة تنميطٍ يسعى إلى تعدين الناس وتحويلهم إلى قطعٍ منتجةٍ مستهلكة. ويشار إلى أن المرأة كانت تتزيّن في مأمن الحيّز الخاص تزيده بهاءً، والآن تُفارق الزينة الفطرية وتتبرّج بوقاحة حين تخرج إلى الغابة مقايضةً وتديّثاً. هي مقايضةٌ في سوق العمل تُعاظم الأنثى دورها في وجهٍ يعجز عنه الذكرُ جبراً لقصورها في أوجهٍ تتفوّق فيها الذكورة. وهي تدييث مزدوجٌ ضدّ الحياء المفطور في الأنوثة وضدّ انفراد الأسرة بنعومة رعايتها.

أما التناذر الجندري الذكوري فيكون انسحاباً من أدوار الفتوة المنوطة فطرةً بالذكورة، سعياً وراء نمط حياة تتقلّص فيه المسؤولية الأسرية والمجتمعية وتنعدم. وتبذل الجندرةُ قصارى جهدها في معاقبة الذكورة الطبيعية، سواء في افتنان الرجال بما تبرّجت به النساء أو حين تُحجز الذكورة عن ممارسة أدوار الغيرة والحماية والريادة والإنتاج.

وضمن البيئة هذه تنقدح حرب الجنسين، ويقع كلٌ من الذكر والأنثى ضحية تشويه الفطرة، ويخضع كليهما إلى إكراهاتٍ من خارجهما، وتتراجع مركزية الأسرة وتتقلّص أدورُاها من عشٍّ للتراحم إلى جحرٍ للتعايش المتوتّر. وبذلك تغدو الأسرة وكأنها مؤسسةٌ مؤقتة، حاضنةٌ في الصغر وفندقٌ في الكبر، ويُصبح فيها تأبيد الزواج أمراً غير عملي.

وبشكل عام، منطقُ ثنائية الإنتاج/الاستهلاك في الحداثة لا يناسبه الدفق الطبيعي للحياة، حيث تشرذم الزمنُ إلى لحظاتٍ فردية إن حملت معنى في أفرادها لم تحمل معنى جامعاً لها. فليس الزمن ذلك الممتدّ الذي يسعى فيه المرء نحو قِبلةٍ أخلاقية تتجمّع فيها جهود الاستقامة في الحياة، وإنما هو زمن (فلاشات) ملوّنةٍ في لحظاتٍ متقطّعة (كما في الديسكو) وإن كانت متتابعة، لكلٍ منها منطقها الذاتي المبرّر نفعياً بحسب الظرف والأولويات العملية الخاصة.

فهذه حلقات ثلاث (غياب التثقيف و تحقيق الذات و الجندرة) غيّرت وجه الأسرة كما عرفتها البشرية، كما أنها تتفاعل مع سوق عملٍ له أولويات تكاد تكون معاكسةً تماماً لأولويات الاجتماع الطبيعي. وهذا ما نناقشه فيما يلي.

المهنة

يفقد العامل في نمط الحداثة حرّيته ساعة وضع قدمه في عتبة الشغل، حتى إن الشغل ليتحكّم في هندام المرء وشاربه وقَصّة شعره، وحتى وزنه أيضاً (ومن اللطيف الإشارة إلى ما يُقال من أن الشعب الأمريكي لا يتصوّر وصولَ رجلٍ بَدِين إلى منصّة الحكم). ونمط الاقتصاد الذي أحاط بالطفل منذ نعومة أظفاره والذي حوّل مناهج التعليم إلى طرقٍ مبسترة يستقبل في آخر الرحلة الفردَ المسترقّ بعد أن تمّ ترويضه. المهنة الحديثة امتهانٌ بكل ما في الكلمة من معنى. ولقد سبقت الإشارة إلى بعض الأوجه الاقتصادية المتعلقة بالمهنة والتي اعتدت على الاجتماع، وهي أمور معروفة نشير إليها مختصرة على وجه التذكير.

ويمكننا رصد ثلاثة أوجهٍ في المهن المعاصرة. وجه تقلّص نفعها المحلّي، ووجه انتظامها وفق قوانين إدارية موحّدة، ووجه اعتماد كثيرٍ منها على التصدير.

ولقد كانت المهن مصدر عزّ الفرد ووجهاً من أوجه استقلاليته. وفيما عدا المجتمعات الزراعية الكبرى التاريخية، كان معظم الإنتاج فردياً ومعظم ما يحتاجه العيش متوافراً في أحيازٍ قريبة. ولكن منذ انتشار التصنيع أصبحت المعامل مواضع شغل أعدادٍ هائلة من الناس، وترافق هذا مع ظهور البيروقراطيات الضخمة. وتوسّعت البيروقراطيات خارج حيّز السياسة وأجهزة الحكم، فحتى الأعمال الربحية المحضة أصبحت تستند إلى بيروقراطياتٍ كثيفة. والبيروقراطية في دواوين الحكم لازمة من أوجهٍ عدّة، أما حين دخلت القطاع الخاص فأحدثت تغيراتٍ شتى على رأسها أنانية الرسالة و تعويم المسؤولية. فمن ناحية أصبحت الشركات الكبرى آلات ضخمة تخدم أهدافها الخاصة بعيداً عن التواؤم مع أهداف المجتمع. ومن ناحية أخرى، أصبح من الصعب جداً تحديد الجهة المسؤولة فيما يسمى بـ(الكوربوريشن) حين يتعاظم أذاها. فلا يكفي أنها انفصلت عن المجتمع وطوّرت لنفسها أولوياتٍ غير ملتزمة ضرورةً مع أولويات المجتمع، وإنما زيادة على ذلك حمتْ نفسها بحماياتٍ قانونية جعلتها فوق المجتمع وفوق السياسية أيضاً.

وبدورها امتلكت الشركات نفوذاً كبير في الاجتماع الإنساني. فمن وجه أصبح لها سيطرة كبيرة على أفراد الناس وعلى حياتهم وحتى على أولويات أُسرهم. ومن وجه آخر أصبح لها أثر كبير على السياسة التي هي تمثيل الإرادة الجمعية للناس. فلم يعد غريباً أن تخوض الدولة الحديثة حروباً نيابة عن الشركات الكبرى.

ومن مفاسد أنماط مهن الحداثة هو أن جدوى المهنة ومردودها المادّي متناسبة طرداً مع مدى هامشيته أو إيذائه للمجتمع. وتأمّل مردود المهن لتجد أنها مرتّبة بحسب ذلك، وأول ما يخطر على البال هو فنّ اللهو و الرياضة، وربما لا يشذّ عن هذه القاعدة إلا مهنة الطب. وحتى ضمن مهنة الطبّ، الأعم نفعاً من اختصاصاته هو الأقل نفعاً مادياً، ناهيك عن خصخصة الطبّ وتموضع (الطب العام public health) في الهوامش فحسب.

ولعلّ أكثر الأوجه شرّاً هو أن جدوى مهن الحداثة ومردودها المادّي متناسبة طرداً مع انفصالها عن المجتمع وارتباطها بـ (كارتيلات) عالمية.

وأضف إلى ذلك صناعة الحرب لتغدو الصورة مخيفة حقاً. وفي غابة العدوان أصبح تطوير أدوات الحرب ضرورةً من أجل البقاء، وإلا فالقتل عن بُعدٍ والتهجير وتدمير مرافق الحياة لم يعُد عليه رقيب ولا يحجزه ضابط. وتبعاً لذلك تعدّدت المهن التابعة لآلة إفناء الحياة، مهن مباشرة وغير مباشرة.

المدينة

المدينة موقع اجتماعي متميّز في كثير من النواحي يهمّنا منها هنا التحضّر والاسترزاق والتنوّع.

فما برحت المدن -والمدن الكبرى بخاصّة- أن تكون مسرحاً للتحضّر. ونقصد بالتحضّر هنا معنى خاصّاً قريباً من معنى التمدّن وهو تفاعل التيارات الداخلية والعالمية الثقافية منها والبنيوية. ورغم أن عدداً معتبراً من المسلمين ما زال يعيش في أطر عيش صغيرة، هناك أكثريات تعيش في مدن ما تفتأ أن تتعاظم. وبغض النظر عن الحجم المطلق لمدن دول الشعوب المسلمة، الحجم النسبي مقارنة بالبلدات الأخرى جدير بالتأمّل. بمعنى أن نسبة الذين يعيشون في المدينة الكبيرة أو أكبر مدينتين مقابل نسبة الذين يعيشون في البلدات والقرى يمشي باطرادٍ باتجاه الأول. (القاهرة 19 مليوناً رقم 9 عالمياً، دكا 14 مليوناً بترتيب 11، كراتشي 17 مليوناً بترتيب 12، إستانبول 14 مليوناً بترتيب 15، وذلك لعام 2016).

وصحيح أن النمط العالمي لا تحجزه حواجز الجغرافية وقد دخل المدن الكبرى والبلدات الصغرى على حدٍّ سواء، غير أنه يتوضّع في البلدات على الهوامش كزياداتٍ أو نوافذ للعالم، أما في المدن الكبرى فإنه يتوضّع في المركز يساهم في إعادة صياغ الحياة. وهكذا تقوم المدن بدور الـمِرجل الذي يصهر الناس مع ثقافة الحداثة ونمطها. ومن وجهٍ آخرٍ تُعرِّض المدينة ساكنيها إلى إكراهات العيش في مجموعات كبيرة. ولذا فإن ظاهرة (الحشد المتوحّد lonely crowd) ما تفتأ تصبغ حياة الناس. ونشير خصوصاً إلى أن نمط السكنى في شققٍ صغيرة في أبنيةٍ كبيرة يعتدي على مفهوم الجيرة ووظائفها.

ومن وجه آخر تلتقي المجموعات المختلفة للناس ببعضها البعض في المدن الكبرى فتتراجع الخصوصيات، ولكن يحدث ذلك في غياب مسارٍ جديد واضحٍ للبديل عن هذه الخصوصيات. وقد يبدو مفارقةً أن المدينة المسلمة المعاصرة التي يُفترض أنها أقل تديّناً هي التي تعجّ بفاعليات التديّن. التديّن في الأطراف خاملٌ من ناحيةٍ ومسكوبٌ في تقاليد وأعراف غابت مناسبتُها. التديّن في المدن مخترقٌ حداثياً ولكنه يجاهد. ولذا ليس عجباً أن تكون مدننا المسلمة موقع أنشط الحركات الإسلامية. وعلينا اعتبار دور المسجد أيضاً، والذي خضع إلى حدٍّ بعيدٍ إلى الإرادة السياسية، ولكنّه ما فتئ أن يبثّ رسائل تأصيلية.

أما طلب الرزق فإنه في المدن قد ودّع الطرق القديمة التي تتميّز بنزعة الاكتفاء الذاتي. غير أن الاقتصاد غير الرسمي في بلداننا قد يقترب حجمه من الاقتصاد الرسمي المصرّح به. كما يمكننا تخيّل اقتصادٍ بين ذاك وذاك. والمفارقة أنه يتميّز الاقتصاد غير الرسمي بدرجةٍ كبيرة من اللصوقية بالحاجات الأساسية للمجتمع، وكذا لدرجة أقل الاقتصاد نصف الرسمي، في حين أن الاقتصاد الرسمي هو المرتبط كلّياً بالاقتصاد العالمي ويخضع إلى تحكّماته. وعلينا هنا اعتبار فيما إذا كانت بعض الحكومات تدفع باتجاه ترييف المدينة. وأحسب أن هذا انتهى مع تراجع التوجهات الاشتراكية.

بقي علينا اعتبار تراجع الأمن الغذائي للمدن (وبالتالي للدول بأسرها) وكذا الأمن المائي. فكثير من بلاد المسلمين مكشوفة اليوم على أخطار العوز الغذائي والمائي، بكل ما يسبّبه هذا من اضطراب وابتعادٍ عن حال الاستقرار.

الطائفية

هناك ظاهرتان متداخلتان ترصفان حياة الناس اليوم وتتفاعلان مع بعضهما البعض. الظاهرة الأولى هي تعدّدية الانتماء تعدّديةً غير متكاملة. ففئات الناس مرتّبة وفق طبقاتٍ وانتماءاتٍ مختلفة كثيراً ما يكون بينها تصادم وتنافر، ويميّزها الفقر في المضامين الأخلاقية. الظاهرة الثانية هي ارتباط شروط العيش بما يجاوز المحلّة وانسياح أثر حركة المجموعات خارج حيّزها من وجهٍ آخر. ويحفز كلاً من الانسياح الأفقي والتنضّد العمودي نرجسيةٌ جماعية. ونختار تسمية هذا الظاهرة بالطائفية بسبب اقتران الاعتمادية المعاشية على ما هو خارج الاجتماع المحلّي للأمّة من جهة وإمكانية التأثير الخارجي الأناني من جهة أخرى.

ففي حين أن التنوّع وفق أبعادٍ عدّة معروف في حياة البشر، كان هذا التنوّع مشفوعاً مع اعتباراتٍ أخلاقية متعالية أو تقصد التعالي، سواء صحّت تلك الاعتبارات أم لم تصحّ. أما المجتمع المعاصر فإن مُرتجعَ الروابط والتنضيد مرتجعٌ نفعي بحت. ولا يعني هذا انتفاء أيّ قيمةٍ وإنما أن دفق المنظومة المعاصرة يدفع باتجاه تفريغ البِنيات المجتمعية من القيم ويحفز نحو اللصوق بالطين وفق نزعةٍ نفعيةٍ شديدة الاختزال.

الطائفية المعاصرة هي كذا انتماء عمياويٌ لطائفة وفق معايير مختزلة رقيقة أخلاقياً أو خالية من الأخلاق أو تدّعي أخلاقية خاليةً من الأخلاق كما عرفتها البشرية في تاريخها. وفوق ذلك، يتّسم معيار التوزّم الطائفي هذا بالآنية ويمكن أن ينقلب إلى ضدّه قريباً وسريعاً. ولْنتأمل أوجه الحياة وكيف تنعكس فيها هذه الطائفية الجديدة.

في حقل السياسة يمكننا القول إن نسق الحداثة شيّد بِنيات شديدة الصلابة. فلقد أُودِع البشر في أقفاصٍ جغرافية تُعتبر دولاً ذات سيادة. وكم ساغ لهذه الدول أن تنكّل بشعبها لأنه ظهر فيه ما يكره هذه الأقفاص. وكم تخنق البيروقراطياتُ من أرواحٍ من جملة نمط تعاملها مع البشر وفق رشدانيةٍ مصمّمةٍ بإتقان. ولكن مع كل هذه الصلابة نرى أن ديناميكيات الطائفية هي التي تتحكّم بوجهة الدولة والسياسة. فلا المطالبةُ الديمقراطية هي التي تُحدث التغيير ولا الحركاتُ الاجتماعية التي تستند إلى المثل، وإنما الطائفية النفعية التي تخاطب أدنى ما عند الناس. الولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترة تمثلان حالتين تشخّصان الطائفية السياسية، وكذا ما يجري في أوربا. هناك أزمة دستورية في إسكتلندا وأخرى في إسبانيا. ولا نستطيع القول إن إقليم كاتالونيا بكلّيته يرغب الانفصال، ولا أنه لا يرغب بذلك. ودواعي الانفصال ليست قومية متبلورة وإنما أنانية متأججة لدى فئة يجمعها (لايف ستايل) تُلوّح ببعض شعارات حقوق الإنسان فتكتسب قوةً سياسية في منظومة ديمقراطية، هي قوةٌ تمثيلية نظرياً وغير تمثيليةٍ عملياً، إذ لا يعدو علوّ صوتها وسيطرتها على النفوس والعقول إلا نتيجة النجاح في استنفار الموارد المالية وتحريك المشاعر الفئوية من جهة أخرى.

وننبّه إلى أنّ وصف هذه التيارات السياسية بالطائفية هو أصحّ بكثير من القول إنها تيارات محافظة، كما يتصوّرها المنطقُ اللبرالي. فلا الأخلاقي ولا الديني ولا القومي ولا القطري هو لبّ التوجّه، وإنما هو المنطق الطائفي النفعي (أو النفعاوي إن شئت) شديد الضيق، وفيه تماماً يتلبّس التيار اللبرالي الذي لم يعد يكترث بحقوق العمال مثل اكتراثه بحقوق الشهوات.

سلوك الأقليات شاهدٌ مركّب على ظاهرة الطائفية حيث تحوّلت هذه الأقليات من مجموعات ملّية/إثنية ذات ثقافة وتاريخ إلى مجموعاتٍ تدّعي المظلومية. وهي في آنٍ تطالب بالمساواة المواطنية وبحقوقها الخصوصية. وفي آنٍ تعتبر نفسها ناطقة باسم الحداثة وتشكيلاتها ودولتها العقلانية، ثم لا تجد حرجاً في تأكيد حقّها استدعاءَ القوى الأجنبية للدفاع عنها. كما تقوم بتشكيل ميليشياتٍ وتدعي حقّها بأحيازٍ جغرافية، أو تعقد تحالفاتٍ خارجية لتعينها على سحق ثقافة البلد وسكانه.

   في حقل الاقتصاد والاستثمار، يقعد شاردان من الشباب فيفكّران في صرعةٍ تأخذ الألباب لها نفعٌ بحجم رأس الدبّوس. فينجحان في تسويق المنتج ويصبح هو الممثّل للذّة الاستهلاك لفترة ما، استهلاك عديم النفع أو قليله غاطسٌ في فراغ ومتمحور حول وهم. أرجوزة الأطفال/المراهقين باسم Baby Shark الخالية من المعنى حقّقت السنة الماضية 3.8 بليون مشاهدة وجلبت ربحاً بقدر 34$ مليون دولار.

التجمعات الثقافية أضحت طائفية أيضاً. فتراها تأخذ حكمتها من المسارح الإذاعية (talk show)، وبقدر سخف هذه البرامج تعظُم قيمتُها. الطبقات العليا تجتمع نساؤها لحفلات ماءٍ يتمّ فيها تقديم الضيافة من أنواعٍ منه لتحسّس نقاوتها. وجوعة مجتمعات التميّز صارت ترى في التصفيق كما هو معروف من ضرب الأكفّ وخروج الصوت تصرفاً (سوفاج) يعتدي على راحة الآخرين وخياراتهم، وأن البديل الراقي هو التصفيق بالأصابع الثلاثة. الشباب يجدون صداقةً حميمة في صالة الرياضة، وتنتهي هذه العلاقة بعد الانتهاء من التمارين لتعود وتتجدّد بعد يومين في تمرين آخر.

»           »           »

ناقشنا باختصار خمس خصائص للتشكيلة المجتمعية المعاصرة. ولعل أهمّ سمة لهذه الخصائص أنها بينية تتوضّع في فراغات المنظومة الرسمية وتحيط بها وتترشّح إلى مفاصلها. وهكذا تستمرّ المنظومة الرسمية تؤدي مهمّتها نظرياً في حين أنه تمّ حرف وجهتها لمبتغى آخر.

Tagged: , , ,

One thought on “التشكيلات المجتمعية البينية

  1. nakba 2020/01/03 عند 3:54 ص Reply

    ممتاز. شكرا أخي الكريم على جهودك الرائعة.سمير طوير

اترك رداً على nakba إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s