الثورة وملامح التغيير الحضاري-4

المنطق الواقعي و  سياسة الأمة

القيم العليا تمدّ الناس بآفاقٍ متجاوزة للواقع، غير أن التحقّق في الأرض لا يمكنه أن يتجاوز الواقع، بل إنّ فهمه فهماً قويماً هو شرطٌ للتحقّق من جهة وهو مما يدعو إلى فهمٍ أعمق للمنظومة الملهمة للقيم من جهة أخرى. ولعل هذه هي العقدة التي يتراوح فيها الحراك الثوري بعد أن طاحت به لاواقعية الأحلام تارةً وأسر الواقع تارةً أخرى.

1- قطف الثمار

كم هو مؤلم أنّ الجواب على أسئلةٍ مثل: لماذا لم نقطف ثمار الربيع أو لماذا تأخر نجاح الثورة أمر غير يسير. ومهما فصّلتَ من أسباب، الجواب غير شافٍ لكثيرٍ من الناس.  ولكن هل هو صحيحٌ بأننا لم نقطف أية ثمار، وهل تأخّر الانتصار فعلاً؟  ربما يساعد على الفهم أن نطرح قبل ذلك أسئلةً أخرى: ما هي الثمار المرجوة أصلاً وما معنى (التأخر) وما معنى (الانتصار).

المفارقة أنّ الحديث اليومي للناس يوحي بأنّ تغييرات هامة قد حصلت فعلاً، وهي تعكس نفسها بأشكال متنوعة تضم طيفاً واسعاً من الأفكار والمشاعر، وتعيش معنا ولو لم تكن ملموسةً مادياً في اللحظة الراهنة. والحقيقة أنّ أي لحظةٍ من اللحظات الفاصلة في مسيرة الثورة العربية لم تذهب أدراج الرياح، ولو بدا أحياناً أنها غابت أو وقعت في دائرة من الحيرة والتساؤل.  فعزّة البائع البسيط في تونس سوف تبقى ذكرى شاخصةً في التاريخ، وصورة ميدان التحرير كأيقونةٍ تحكي القدرة الجماعية للشعوب لم تنطمس في ذاكرة العالم، والصبر العجيب للثورة اليمنية وضبط النفس أمر لا ينطمس، وتصميم الثورة الليبية أمر حقيقي ترى انعكاساته على الواقع، والجرأة المعجزة والثبات الرائع للثورة السورية يمثّل أعمق تعبير عن صلابة الإرادة البشرية.  كل هذا يبقى صحيحاً رغم محاولات الالتفاف على الثورات، ورغم تحالف خوالف الاستبداد الداخلي مع أطماع السيطرة الخارجية، ورغم كل القصور الثوري.

وهل ثمة ثورة بلا أخطاء وقصور؟  وكيف نتكلّم عن انتصارٍ ناجزٍ كأنه كان محفوظاً في قفصٍ امتلكنا مفاتيحه فجأة؟ وعلى العكس من ذلك، قد يكون المقامُ الآن مقام رصد التقصير في جملة مجالات من أهمها الثقة الطافحة بالنفس عند الشباب المتحرّك، وبطء استجابة المثقّف، واعتباطية قرار السياسي.  وإذا عُذِر الشباب الطامح وطَهّرت تضحياتُهم أخطاء الثورة، فهل يُعذر الفرقاء الآخرون؟

هل يُقبل من المفكّرين والمثقّفين أن ينزلقوا إلى مدارك التسطيح التي ترسم عملية التحوّل الديمقراطي كعمليةٍ مكتبيةٍ تُكرّر فيها عباراتٌ قديمة لمفكّري عصر التنوير؟ وهل يُقبل منهم عدم الحياء المنهجي في الاستحضار المتكرّر للثورة الفرنسية، وهي التي حدثت في زمنٍ تاريخيٍ مختلف وسياقٍ حضاري مُغاير؟ وإذا كان ثمة دور حاسم للمفكرين فهو التأكيد على مفهوم الصيرورة، وأن التغييرات التاريخية ليست عملية استنساخٍ وتقليد، وأنه ليس هناك (كاتالوجات) جاهزة لعملية الدمقرطة، وأن الاستفادة الواجبة من تجارب الآخرين هي عملية تدبّرٍ وتقدير لا عملية نقل ومحاكاة.

وربما وجبَ الاعتراف بأن الأسئلة الخائفة والمتشكّكة هي أسئلةٌ بريئة، وبأنّ سبب ورودها مُفسّرٌ ومتوقّع.  ولو أمعنّا النظر في هذه الأسئلة لوجدناها تنبثقُ من فهمٍ يغيب عنه الاختلاف في حركة الزمن بين حسابات الأفراد وحسابات التاريخ. إن الآلام العظيمة التي ترافق سيرورة التغيير تكون دائماً طويلةً جداً في حسابات الأفراد.  وحقّ أن تكون كذلك لأن فيها غالباً ما لا يحتمله فردٌ بشر. غير أن لمسيرة التاريخ حسابات من نوع آخر. ولهذا يتحدث الناس عن العصر الفلاني وهم يقصدون فترةً امتدت قروناً، ويعدّون تطور الأحداث بالعقود لا بالشهور والسنين، وكأنّ العقد هو شهرُ التاريخ أو أسبوعه.

والتاريخ يتفاعل مع الجغرافيا، فكلما اتسعت الجغرافيا كبُرت الوحدات الملائمة للحديث عن التغيير.  وما الثورة العربية –وكما يظهرها فرعها الشامي خصوصاً– إلا زلزالٌ وصلت ارتداداتُه إلى بقاعٍ شاسعةٍ تتلاطم فيها الأمواج الجيوسياسية، وبركانٌ سبر أعماقاً تاريخية تعتصر في طبقاتها تجارب الشعوب، وولوجٌ في فضاءات ثقافية تتألّق فيها الهويات والأفكار وتتعارض…

 هذه هي حدود التغيير الحضاري الذي يعتلج به زمننا، بإدراكٍ منّا أو غفلة.

2- عودة النموذج السلطاني

بلا كثير تنظير وفلسفة، لسان حال الناس يقول نريد سلطاناً يدير أمور سياستنا. وهذا السلطان قويٌ تجتمع عليه الناس، ومعتدل يحاول تصريف الأمور بيسرٍ وحكمة، وهو من جلدتنا تأكيداً. ولا نكترث إذا كان ذلك على صورة ديمقراطية أو ملكية دستورية أو متغلّب من الشطّار، ما دام أن استقامت مسيرتُه ولم ينعقد همّه على الظلم والانتقام.

ولا أعجب من التعجّب من هذا التطوّر. فالديمقراطية آليات وفلسفة، وفلسفتها الليبرالية تتصادم مع النسق الثقافي لمجتمعاتنا، وتجاه ذلك هناك احتمالان اثنان. الأول أن يفرض النمط الليبرالي نفسه سياسياً ومن فوق. ولكن ليس هذا إلا نظيراً لحال تركيا الكمالية وإيران البهلوية ومصر وتجارب أخرى أيضاً، وهو الذي أخفق إخفاقاً ثلاثياً: أخفق في التنمية ووعد الرغد، وأخفق في السلم بل عمّق الاستقطاب المجتمعي، وأخفق في ديمقراطيته النظرية وسرعان ما انقلب إلى ديكتاتورية مقنّعة أو غير مقنّعة. وبالطبع، نتكلّم هنا عن ديكتاتورية ليبرالية قد يكون بجانبها لافتات ديمقراطية أو مساحات حرّة ضيّقة.

 الاحتمال الثاني أن تفرض آليات الديمقراطية نفسها، وسرعان ما ستبحث لنفسها عن مستندٍ وفلسفةٍ ونسقٍ أخلاقي هو بمثابة مبادئها فوق الدستورية، ولن تجد ذلك إلا في تاريخها وفي روح ثقافتها، ولذا سيدخل نسق الحضارة الإسلامية على نحوٍ أو آخر. وقد يكون الدخول واعياً ناضجاً من البداية، أو يجري التجريب الذي لا يخلو من التناقض إلى أن يتمّ النضوج والبناء على الأصل.

 لقد ظهر للناس أنه حتى آليات الديمقراطية هي محرّمة على بلادنا. ولما كانت الآلة الحربية تهدم الحياة بتقدّمية، ولما كانت الآلة الديبلوماسية تتبنّى الديكتاتورية بديمقراطية، ولما كانت الآلة الإعلامية تشوّه الثقافة بليبرالية، وحيث أنه تواطأت هذه الآلات رغم تعدّد أعلامها وتنافس مصالحها، فإن فطرة وسطيّ الناس سئمت السماع للوعظ بحقوق الإنسان وإتيكيت التكبّر، وتطلّعت إلى البدائل التي لا يشوبها الضلال.

   سوف يتابع المنظّرون الجدل فيما يسمى الفصل والوصل بين الدين والسياسة وكل الاختلاط في ذلك، في حين أن وسطيّ الناس قد حلّ مشكلته بنفسه. السلطة للشعب يُعهِّدها لمقتدرٍ محبوبٍ ثقافياً (ولفظ السلطان في العنوان بهذا المعنى)، والشريعة هي القيم الراقية والرؤية الخلقية الناظمة والتوجيهات الهادية. أمل الناس اليوم هو في نموذج معاوية و محمد الفاتح، وليس في نموذج أبي بكر أو عمر بن الخطاب رغم شرفهما.

خاتمة

غاب العرب عن المشهد التاريخي للمسلمين قرنين اثنين، قرن كسلٍ وقرن ضياع. العرب يعودون إلى مركز الحضارة مرة أخرى ليمارسوا دوراً لازباً بهم. هم عربٌ بمعنى امتلاك لسان الهدي الخالد. ولقد وقفت القومية العربية في وجه سؤدد العرب لأنّ تعايشها مع العالمية الإسلامية مستحيل. القومية في حقّ العجم من المسلمين واردة، كأن تفخر الملّة التركمانية أو الكردية أو الأمازيغية بما قدّمت للإسلام في تاريخه. أما العرب فلا يمكن أن يجتمع لهم فخران، والعصبية الدينية هي وحدها التي جلبت عزاً للعرب. ولو سُمح لخيار القومية العربية بالتسيّد لاستحوذ على الإسلام، ولو تسيّد لأخفق في ذلك لأن مرتكزات الهوية هي الدين واللغة والتاريخ وكل من هذه الثلاثة عالمية الطبيعة وساهم فيها غير العرب. كما أن أي عصبية قومية عربية سوف تطرد الأمة لزوماً، ولكن الأمة باقية بقرآنها، وقرآنها عربي اللسان فيعود ويُحي مسؤولية العرب للقيام بدورهم.

ومن موانع تشكل قومية عربية هو أن العرب ليسوا أحراراً في التعامل مع لغتهم. اللغات الأعجمية للمسلمين أدخلت كلماتٍ أجنبية إلى صلب لغاتها، ولكننا نحن العرب غير مخوّلين –بالتزامٍ ذاتيٍ ومن الخارج– أن نعدّل لغتنا أو أن نُبعدها عن لغة التنزيل. وإذا لم نكن نمتلك احتكار اللغة بناء على اختصاصنا القومي، فلا يمكن أن ندعي قومية نابذة للإسلام، وإذا كان تعليمها فرضاً كفائياً فاحتكارها قومياً غير ممكن. وإذا كان القرآن هو الذي ينعي على الأعراب وفي الوقت نفسه يكرّر التذكير بأنه لسان عربي مبين، كان الرابط القومي مرفوضاً وواهياً داخلياً. وأخيراً، فإن عالمية الإسلام تأبى استلاب اللغة لإطار أضيق من إطاره الواسع للبشرية، كما أن تعريف العربي بغير اللسان مستعصٍ، وتعريفه باللسان لا ينزع عن الناطق بالعربية من غير العرب منبته، فمثلاً لا يُتصور الادعاء بأن الغزالي غير عربي بالنفي وإن ربما يصحّ عدم قول ذلك بالإيجاب.

الدولة العثمانية كانت أول منظومة سياسية شاملة للمسلمين وهي بغير اللسان العربي، حيث كانت العربية لغة الإدارة فحسب و الفارسية لغة الأدب و التركية لغة التعامل. ولا يمكن إلا القول إنه كان لذلك الخيار تبعات. ولا نريد هنا أن ننضم إلى الجوقة التي تصف الفترة العثمانية بكل نقصٍ وترميها بالجمود، والأبحاث الجديدة عن الإمبراطورية العثمانية تُظهر إبداعاتٍ إدارية ومرونة فائقة، هذا ناهيك عن أنها متطاولة زماناً ولا يمكن حصرها بوصفٍ واحد. كل الذي نريد قوله هو أن هذه التجربة التاريخية من ناحية اللغة افترقت عمّا قبلها من تجارب افتراقاً في ناحية حيوية تتصل بالثقافة والتشكيل الذهني الذي تحتضنه اللغات. وأضافت التجربة العثمانية بُعداً آخر يحاصر التجدّد في اختراع منصب شيخ الإسلام (المفتي الرسمي). فأصبح هناك عاملان إشكاليان: سلكٌ إداري يُنظّم الاجتهاد فيخنقه و يسيّسه إلى درجة لم تُعرف من قبلُ في تاريخ المسلمين، وغيابٌ نسبيّ للعربية عن كونها اللغة المرجع. وقد نُظر إلى تنظيم الفتوى أنه إنجاز يومها، ولعلّه لم تتضح إشكالية اللغة إلا بعد إبعاد العربية على أيدي الكماليين، وها هي تركيا اليوم تحاول استنقاذ اللغة العثمانية التي تفاعلت مع العربية تفاعلاً كبيراً بعيداً عن أَوْربة اللغة التركية. وهذا جزء ثقافي ضروري لمحاولة الاضطلاع ثانية بمهمة تاريخية قامت بها الأقوام التركمانية، درعاً لبيضة الإسلام وحصناً له. ونريد أن نؤكّد هنا أن تلوّن الألسنة آية من آيات الله، ولا نقصد أنه ينبغي أن تُمحى اللغات غير العربية، وإنما أنّ الحضارة المسلمة لا بدّ وأن تكون العربية في مركزها.

وعودة إلى لبّ موضوعنا، لا يمكننا أن نذهل عن أن ملامح ظهور الأقوام العربية ليس وحيداً، بل يتعاصر مع ظهور الأمم التركمانية وظهور الأمة الفارسية وظهور الأمم المسلمة لجنوب آسيا وظهور الأمم لأقصى الشرق، وكل ذلك يتساوق مع تمكّن أهل الصين وأهل الهند إلى جانب ذبولٍ نسبيٍ في تمكّن الأمم الأوربية.

يعود العرب من المسلمين ليأخذوا مكانهم في التاريخ من غير منّة، فلم تنقطع أدبياتهم أن تكون هي ملهم التغيير في غير بلادهم وبلاد غيرهم من المسلمين. وفي العالم التواصلي الذي استحال إليه الزمان، سرت بين العرب فاعلياتٌ لم تتوافر شروطها من قبل. ومن اللافت للنظر خصوصاً وعي الشعوب العربية بخصائصها سلباً وإيجاباً. لقد أصبح في كل قطر عربي شعور حادّ ثنائي: شعور بكمونه الذاتي وشعور بقصوره وعيوبه أيضاً؛ وكذا تطوّر الوعي بالأخ العربي في هذين الوجهين. حتى وكأنه تقاسم العرب المهمّات، فتخصّصت بلدان المغرب بالفلسفة، وأرض مصر بالمشاريع الكبرى، وبلاد الشام بالمساهمات المبدعة، وبلاد الجزيرة بالإسعاف، والأطراف العربية موضع التجارب… ومن المناسب التأمّل فيما سأسميه (العراق الترس) و (المغرب الرمح)، لأنه يبدو غائباً عن الذهن من جهة والتنظير فيه متخلّف من جهة أخرى.

للعراق استثنائية منسية، وإذا كانت العروبة غير متصورة بلا مصر فهي لا يمكن أن تكون بخير والعراق معتلّ. فأرض العراق كانت مركز الدولة العالمية الثانية للمسلمين، غير أنها فيما بعد ذلك تابعت تاريخها وكأنها لوحدها أو كأن لقومها مهمة خاصة، ألا وهي حماية الجبهة الشرقية من الدَخَل، تحول دونها أو تهذّبها. وزاد هذا الدور المزمع بعد نجاح تشييع إيران تشيعاً صفوياً. ومن الجهة الأخرى هناك المغرب العربي الاستطالات نحو أوربة. وهو الذي تكسّرت عنده جيوش الفرنسي، ودولة المغرب –باستمرار تماسكها السياسي بعيداً عن مركز الخلافة المعرّض للضربات– كانت جبهة التعامل مع أوربة كقارة، ثقافياً و ديمغرافياً منذ زمان الأندلس وحتى زمن الاسترقاق الأمريكي الذي ضرب الجنوب الغربي في السنغال متوجهاً فيما بعدُ شرقاً وجنوباً.

ملامح التغيير الحضاري شاخصة وإن كانت غير حاسمة أو مكتملة بعد. وإذا توازى هذا الثقافي مع الجيوسياسي بتشكّل كتلة فدرالية مغاربية وكتلة فدرالية لحوض النيل وكتلة فدرالية لبلاد الشام وكتلة فدرالية للجزيرة العربية… فدراليات داخلها إداراتٌ محلية وتتوّج من فوق فيما بعد باتحاد كنفيدراليات… إذا حصل توازي الشرط الثقافي مع الشرط المادي تكون قد اكتملت حلقةٌ لتغييرٍ حضاريٍ بالغ.

مازن موفق هاشم

20-06-1438 هـ / 18-03-2017 م

Tagged: , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s