الثورة وملامح التغيير الحضاري-2

الشكوك و تخلخل العادات والطقوس

تحيط بالأنظمة العقدية ثلاث طبقاتِ حماية: المسلّمات الواضحة التي لا يُقبل الجدل فيها، والقواعد الضابطة التي تنظم الجزئيات فتشكّل سوراً حول البذرة، و طقوس السلوك التي تستثمر الاعتياد كي لا يشوّش على انسياب النشاط.

وفي ساعات الأزمات المزلزلة تتراكم الشكوك في كل شيء بما فيه المسلّمات وما ادُعي أنه مسلّمات، فيدفع ذلك نحو الضياع لدى البعض ونحو الاعتصام بالمحجة البيضاء لدى الآخرين.

وفي ساعات الأزمات المباغتة تتعرّض القواعد الضابطة إلى ضغطين اثنين: الحاجة إلى الإضافة والتوسيع وتأصيل قواعد الاستثناء بعد أن أصبح أصلاً في مجرى الأمور في الواقع؛ والحاجة إلى التجديد في القواعد الضابطة وفق خطةٍ جديدة.

وفي ساعات الأزمات العصيبة تضوي مركزية الطقوس، وربما يتراجع الحياء عند بعض الأفراد ويبدو لهم صنع ما يشاؤون، فتتساقط الطقوس التي هي القشرة التي ميّزتها أنها تنسُق سلوكَ عامة الناس بعيداً عن التفسير منطقي والبرهان العقلي. فتعمّ حالة الشعور بالقلق لمخالفة المعتاد الذي يهنَأُ له الناس. ولكن بعد مرحلةٍ من فقدان التوازن ينشأ استقرارٌ جديد بعد أن ذهب الزبد ومكث ما ينفع الناس.

ويمكننا هنا أن نؤكد أن التيه والحيرة والغضب الذي نشهده في بعض قطاعات الشباب هو مؤقت فحسب. وتتردّد عبارة انتشار الإلحاد بين شباب –وبعضهم من خلفيات متديّنة— لم يكن بالحسبان أن تتطرق إليهم الشكوك. وبعض هذا واقع، غير أننا لو أنعمنا النظر في حال أكثرهم لوجدنا أن مطلبهم هو مطلب إيمان البرهان مكان إيمان التسليم. وليس هذا بالأمر السيّء في منتهاه.

وإن من أهمّ أوجه التغيير في مسألة العادات التي ينبغي الإطلالة عليها هو وضع الأنوثة. لقد اعتادت الأنوثة التركيز على الخاص بعيداً عن العام، أو معالجة الشأن العام في الأطر المحلّية فحسب. غير أن الحداثة انتهكت الخصوصيات، ودولتها اخترقت الجدران، والديكتاتورية الطاغوتية أحكمت قبضتها على المجتمع. فاقتضت شمولية القمع شمولية الردّ، فاستُنفرت ذكور الأمة وإناثها على حدٍّ سواء بعد أن انفتحت أدوارٌ لا تلعب فيها الخِلقة ولا الفطرة أدواراً كبيرة، وهكذا استُثمرت جهود الإناث في الثورة المباركة فزانتها وزيّنتها. غير أنّ الذي يهمّنا هنا ليس الاعتراف بدور من تُنسى جهودهنّ عادة، وإنما الانتباه إلى العادات التي غادرت نمطاً سكونياً همّه الاحتياط لم يَعد ينفع تفسيره على النحو القديم. ولقد عرفت التجارب الحديثة للحراك المجتمعي في بلدانٍ أخرى مشاركة واسعة للنساء، وما نريد الإشارة إليه هو نسق مشاركة المرأة في ثورتنا، فهو وإن استصحب دافع الإنجاز الذي يطبع الثقافة المعاصرة، إلا أنه أيضاً استمدّ روح الخنساء بعزّها وطهارتها بعيداً عن النمط الليبرالي الذي ظهر في التجارب الأخرى. ومثل هذه الملاحظة هي مما يجعلنا نرى صواب القول إن ملامح الحضارة الإسلامية تتجلّى خلف ممارسات الناشطين في الثورة.

إفلاس الطروحات العَلْمانية

ما كان إفلاس الطروحات العَلْمانية بالأمر الحاسم لولا مدى هذا الإفلاس مكاناً و زماناً. فالإفلاس لا يقتصر على بلادنا العربية، بل كان سابقاً في دارها الذي ترعرعت فيه. ولا يمكن أن نفصل ما يجري في ساحات الفكر والفلسفة عن سقوط الحداثة. فلقد نتج عن هذا السقوط ظهور ما-بعد-الحداثة. غير أنّ ما بعد حداثةٍ ليس فيها بَعدية في الحقيقة إلا من ناحية التفريغ الداخلي للمحتوى والسقوط في العبثية على مستوى الفكر والتطبيق معاً. وإذا كانت الرشدنة هي قاعدة الحداثة التي تمكّنها من الإنجاز والتجريف (المادي والثقافي)، فإن انقباض الرشدنة إلى أقصى الاختزالية أصاب عقلانية الرشدنة بالجنون نتيجة محاولة معاظمة الإنتاج مع تجاوز حدّ التحمّل البيئي المخلوق (تأمل مرض جنون البقر مثلاً)، أو بجعل المرشحين للرئاسة في أقوى بلدٍ يتنافسون على محاربة أشباحٍ تبعد عنهم آلاف الأميال (تنافس المرشحين الأمريكيين وذكر التهديد السوري مثلاً)، أو باقتناء سلاحٍ بالغ التقنية تعجز عن تكاليفه الإمبراطوريات القارونية… هذا من جهة، ومن جهة أخرى يدفع التفجير الذاتي للرشدنة في ساحات ما بعد الحداثة باتجاه التذرّر المفتوح الذي لا يمكن أن يتحمله اقتصادٌ ولا بيئة… وعلى صعيد الاجتماع لا عجب أن تتحول الأسرة إلى مهجعٍ للعمّال والموظفين، وأن تتحوّل المدرسة إلى مكان تعلّم فنّ البطالة.

ولقد اعتبر مفتونو الحداثة ‑غرباً و شرقاً‑ أننا ودّعنا التاريخ حيث أنه بلغ نهايته، وكل الذي يأتي بعده توليد آلي. ووفق هذه الرؤية، البشرية هي قطعانٌ هادرةٌ في حركةٍ انتظمتها آلة الاقتصاد شديدة الانتاجيةِ تُغذّي حاجتي (اللّبيدو): جنسُ فياغرا مُرشدن بحسب الطلب ومعاظمةٌ له (وتفريغ) في كل دعاية وفيلم وأغنية ورقص؛ و عنف استورويدٍ ينفخ العضلات، و سيليكون ينفخ الأثداء و بوتكس يقبُر الفناء.

هذه العدمية التي يعيشها العالم تحول دون انتصاب المذاهب العَلْمانية بديلاً، إلا انتكاساتٍ إلى دين محرّف غير مجزٍ ولا شافٍ لأنه أصلاً أصابه التحريف فسمح بأن تستحوذ عليه عَلمنةٌ تُزيل الأصل والخبث معاً وتنكفئ إلى الشهوة والعنف، كما سمح للتلمودية أن تقدّس اللامعنى بعد أن هجر الإلهُ كونَه الذي خلق وأوكله إلى الشعب المختار.

وندرك أنه سوف يستمرّ جري كثيرٍ من الناس وراء النماذج التي ولّدتها العَلمانية، فهي مغرية حقاً، لكنه ليس جري القناعة بالمبدأ بقدر ما هو جري الشهوة والعادة والإدمان، ولن نعدم دفاع المدافعين عمّا ظهر فساده الكامل، وهذا من الخبث الذي لا بدّ أن يُلفظ.

الأقلّيات والخروج من المجتمع

تصميم بلادنا منذ السقوط العثماني اعتمد على استثمار الأقلّيات وخاصة غير المسلمة منها، سواء أكان ذلك في مصر أو في بلاد الشام أو ما أصبح تركيا. والبذور الأولى لذلك كانت قد وُضعت قبل الانهيار العثماني في التسهيلات المقدّمة للأقليات غير المسلمة بعد قوانين “التنظيمات”. أوضح تعبيرٍ عن ذلك كان في بلاد الشام حيث أنها تتمتع بتنوّع متعدّد الأوجه ممتدّ زمناً طويلاً.

أخفق تقسيم تركيا تقسيماً استعمارياً له أبعاد أقلوية بسبب تجاوزه الشروط الموضوعية على صعيد الهوية-الثقافة، فالنزعة القومية التي اعتُمدت ضد الرابطة العثمانية هي نفسها تعطي تماسكاً من نوعٍ آخر في وجه عدوّ تاريخي.

مصر الراسخةُ وقعت تحت تيارات تغريبية شديدة من قِبل أسرة محمد عليّ. التحديث السريع، بغضّ النظر عمّا يقال فيه من الناحية التقنية، انتهى إلى عمليات تغريب ثقافي. ولا عجب أن تمّ استدعاء نخبٍ عَلْمانية غير مسلمة من سورية/لبنان ليدعموا مسيرة العَلْمنة في مصر. وتتابعت المحاولات الوقحة (أوضحها في إنتاج طه حسين) لسلخ هوية مصر وفي أنها أقرب إلى اليونان وأوربة منها إلى المشرق العربي أو العالم الإسلامي.

بلاد الشام كانت الموضع الأسهل لتفجير الهويات، فكان أولاً إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920، تلاها إنشاء دولة حلب ودولة العلويين ثم دولة جبل الدروز بعد بضعة أشهر، إضافة إلى دولة دمشق ونظامي إدارة محليين في إقليم الجزيرة السورية وسنجق اسكندرون. وحتى الاستيطان اليهودي يُمكن –من وجه من الوجوه– أن يُصنّف على أنه جزء من التصميم الأقلوي للمنطقة ومنسجم مع عقيدة الترانسفر التي أضحت مقبولة حينها.

مدفوعةٌ برفض الهوية الإسلامية الجامعة، توجّهت الأقلياتُ غير المسلمة نحو الهوية القومية العربية. الضياع وسؤال الهوية كان عاماً لجميع الشعوب العربية في مطلع القرن العشرين وقُبيله، ولكنه اتخذ الحالة الأكثر تأزماً لدى الأقليات. وبشكل طبيعي، كان هناك تطّور تدريجي في مخيال الأقليات غير المسلمة من التطلّع إلى هوية قوميةٍ عربية تتضاءل فيها غربتُهم الثقافية عن الإسلام، ثم إلى هوية قُطرية تُبعد الإسلام والعروبة معاً: آشوريةٌ في العراق؛ فينيقيةٌ ومسيحية في لبنان؛ نصيريةٌ وإسماعيلية ودرزية وآشورية وأرمنية وكردية في سورية؛ فرعونية في مصر.

ولا بدّ هنا من ملاحظة تلاقى البعد الثقافي الحضاري مع الجيوسياسي. ففي سورية، ليس من المصادفة أن يكون جميع زعماء الانقلابات العسكرية وقادة المجالس الحربية التي دعمت الانقلابات خلال الفترة 1949-1954، من ضباط الأقلّيات الذين جندتهم سلطة الانتداب الفرنسية قبل مغادرتها سورية، ولا عجب من السلوك الأقلوي للنصيريين-العلوية في القيادة السورية فهم أكثر مجموعةٍ تعاني من توترات الهوية بسبب هزالة البدائل المِلّية التي يمتلكونها. كما أنه ليس من المصادفة أن يكون رعاة فكر الرابطة القومية والرابطة القطرية هم من المسيحيين ومن أبناء أقلياتٍ في الغالب، إلى جانب مستغربين من مجتمع النخبة للمسلمين الذين بدورهم كانوا قد أخرجوا أنفسهم من المجتمع (المتخلّف) وسكنت ضمائرهم أوربة وفرنسا.

المسيحيون في لبنان أخرجوا أنفسهم من العروبة منذ زمن بعيد. ودع توترات الهوية التي تنعكس في بعض نخبهم الثقافية الذين لهم إسهاماتٌ متميزة في اللغة العربية والتاريخ، فإن الضمير الجمعي اللبناني المسيحي (الماروني خصوصاً) فدى نفسه بخرافة الانتساب للفينيقيين وأن فرنسا هي الأم وأنّ المسيحيين بغير ذلك يغرقون في بحرٍ عربي هو ضرورةً مسلم. النصيرية-العلويون في سورية حالةٌ أخرى ناطقة، وبعد الثورة أخرجت الطائفة نفسها بالكلية من المجتمع ومن سورية ومن العروبة، وإن كان الانعكاس الأولي الظاهر هو التأكيد على هويةٍ سورية وطنية. الأقباط في مصر أعلنت ريادتهم صراحةً عن حقّ الطائفة استدعاء قوى أجنبية إذا لم تتمّ حمايتهم بشكل فعّال.

ونقصد بالخروج من المجتمع هو ذاك التمحور حول المصالح القريبة وتطييف النفس ورسم الأولويات وفق الذات الضيقة. الكُرد في سورية (كرد الشمال تحديداً) هم الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، وهو استثناء من باب كونهم مسلمين. والكُرد عامة على تديّن فطري مشهود، غير أنه لا يفوت المراقب ملاحظة البُعدَ عن الدين عند أكثر قياداتهم وطواقمهم الحركية والحقد المزدوج للعروبة والإسلام في الإيديولجيات الماركسية لتنظيماتهم.

إنّ إخراج الأقليات أنفسها من المجتمع بعد ازدياد شعورهم بالغربة تواقت مع عودة النسق الحضاري المسلم ‑الذي يا للمفارقة‑ هو أصدق نسقٍ في التعامل مع التعددية وأرحب صدرٍ في استيعابها. وإذ لا يمكننا تبرئة الغلوّ من حفز التخوّف الأقلوي، غير أنّ مبتدأ الغربة كان سابقاً لظهور الغلوّ، وسبب الخوف الوسواسي هو التعلّق بأنموذج سرابٍ ليبراليٍ خارج الأوطان. وإذ تضيق الليبرالية اليوم بالخيارات الثقافية للمسلمين ‑برغم أن أساس الفكرة الليبرالية هو مطلق الانفتاح‑ فإن الفكر العالمي للتعايش سوف يضطر في النهاية إلى إعادة اكتشاف مركزية المجتمعات الصغرى، وربما عندها يدرك الحاجة إلى نظامٍ مليّ معاصر كان قد توّجت فكرتَه التجربةُ الحضارية المسلمة عبّر عن أخلاقيتها ورعايتها الكُنهية للتنوّع.

Tagged: , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s