ميلاد أمة-4: ج) حالة العلويين [6] -خلاصة

ج) حالة العلويين النُصيريّة: هامشية تاريخية وتبنّي دولي

6- خلاصة:

شعور المظلومية عميق عند الطائفة العلوية النُصيريّة، والحقبة الأخيرة من الحكم العثماني لم تكن لتترك ذكرياتٍ طيبة في أذهان الناس، ناهيك عن أذهان أقليةٍ طرفيةٍ منبوذة.  واستثمرت فرنسة شعور المظلومية هذا أية استثمار وهيّجته إلى أقصى حدّ في إنشاء دولة للعلويين استمرت ست عشرة سنة منذ 1920.  وما كان بإمكان الدولة العلوية الاستمرار لعجزٍ داخليٍ بنيوي، ولأنّ التوجه العربي كان طافحاً وعميقاً في سورية عقب الانفصال عن التُرك الكماليين القوميين.

 

إن هامشيّة العلويين النُصيريّة يمكن أن تفسّر كثيراً من مواقفهم.  ولعله يمكن القول إنّ هامشيّتهم زمن العثمانيين احتوت في الوقت نفسه على ملطّفاتها.  فعلى كل حالٍ كانت غالبية العلويين يومها تعيش في قرى خاصة بهم تعزلهم وتُريحهم بآن.  وعانى العلويون بعد الاستقلال الاستغلالَ المديني الذي تعرّض له الفلاحون الآخرون من أهل الريف، ولفّتهم الحاجة والفاقة مثل ما لفّت غيرهم.  ولكن لم تكن المدن والعلاقة معها مصدر الاستغلال الوحيد، إذ وُجد بين العلويين أنفسهم إقطاعيون ظلموا مثل غيرهم من أهل الجشع.

ثم كان تمرير مشروع استلام الطائفة زمام الحكم في سورية، الأمر الذي أزّم وضع الطائفة برغم كل النفوذ الذي تحصّل لها.  والتمكّن غير الشرعي وغير الحائز على منزلة شرفية يزيد في التباعد عن صيغة الاجتماع التوافقي.  وكانت حيازة الحُكم من قِبل طائفةٍ غلب على سوادها الجهل والبُعد عن الدراية بالحياة المدنية الحديثة كارثة على مستقبل البلد ساهمت في التصعيد الأقلويّ إلى أشدّ درجاته.  وأسوأ ما في الأمر أنه أتى من مدخل العسكر، فلا يعرف العسكر بحُكم تكوينهم إدارة الحياة المدنية ولا رعايتها.  فكيف إذا اجتمع لهذه الطبقة إديولوجية ماركسية تمجّد الانتقام وتجعله الطريق الضروري نحو عدل الصعالكة البروليتاريا، إلى جانب حنقٍ طائفي يستند إلى دعاوى الظلم التاريخي؟

لقد ابتدأ حكم النخبة العسكرية المسيطر عليها من الطائفة العلوية النُصيريّة بعقيدة يسارية ثم ما لبث أن تحوّل إلى نزعة نيوليبرالية من نوع خاص، لم تطلق العنان لرأس المال فحسب بل وزاوجته باحتكار الطائفة لمعظمه.  وفي حين أنه يشابه هذا النمط نمط دول أخرى، إلا أنّه ضاعف البُعد الطائفي شروره لأنّ الاحتكار الداخلي قليل الامتدادات خارج الطائفة ولأنّه كانت الكلمة الأخيرة والقوة التأديبيّة محتكرةً بالكليّة داخل الطائفة.  فبرغم من بروز أفرادٍ من خارج الطائفة ممن تحصّلت لهم رؤوسُ أموالٍ ضخمة بسبب تشاركهم مع النظام الحاكم، لا يشكّ أحدٌ في أنّ القولة الأخيرة هي لصاحب الشأن العلوي.  ومعروفٌ أنّ موقعَ الشخص من غير الطائفة والذي (وصل) معرضٌ للزوال بخطئٍ بسيطٍ أو وشايةٍ أو زلةِ لسان.  و لا ينفي وجود المستفدين من غير الطائفة طائفيةَ النظام، فتوسيع رقعة الزبائن خارج الطائفة أمرٌ يضطر إليه المستبدّ من أجل الاستفادة من خبراتهم ومن أجل توسيع مدى نفوذه.

ولا نقول إنّ الطائفة العلوية النُصيريّة فشلت فشلاً كاملاً في تطبيع وضعها الاجتماعي، بل حصّلت لنفسها في الفترة الأخيرة قبل الثورة مواقع منزلةٍ اجتماعيةٍ وبدأت طبقةٌ وسطى بينهم بالتشكّل، وظهر عند قطاعات من غير الطائفة قبولٌ بالصعود العلوي من جملة انطباعٍ بدأ يسري بأنهم (تغيّروا)، وجرى ذلك في ثقافةٍ فيها فسحة تسامحٍ وفي مجتمعٍ خبِر من قبلُ صعود غرباء عنه.  لكن تواقتَ هذا الانفراجُ مع عاملين يدفعان بعكس الاتجاه: عاملٌ داخليٌ تمثّل في تململ عموم الشعب من احتكار الفرص من قِبل أفراد الطائفة العلوية، وعامل خارجي تمثّل في ارتماء الإدارة السياسية في الحضن الإيراني.  وانقدحت الثورة لتضرب جنون عظمةِ نظامٍ يتيه عُجباً بسيطرته ويثق خدراً بقوة بطشه.  وفعلاً بطش النظام بطشة الإجرامٍ والتنكيل، وقتل وعذّب ومثّل، وسرق ونهب، وانتهك الحرمات ودنّس المقدّسات، ودمّر سبل الحياة وطرق العيش.  وبرغم كل اللافتات التي يتقنّع النظام بها، ترى قوى الثورة بصمات الطائفة وراء هذه الأفعال، ولو كان جنس الفعل هو اضطهاد السفّاح، ما دام هناك أناس لهم انتماء معيّن يترأسون القمع ويصدرون أوامر التنكيل ويخطّطون للتدمير.

لقد كانت الثورة –وما زالت- وطنية في أفقها لا تتطلّع إلى برنامج انتقامٍ أو إلى تصفيةٍ طائفية.  وبرغم كل العسف الذي تحصّل من خلال اصطفاف الطائفة مع النظام واستمرار قوّته بسبب الدعم الدولي الذي يتلقّاه، فإنّه لا تدعو أيّ من القوى السياسية للثورة إلى حلّ طائفي، كما أن الأغلبية الساحقة من قوى الثورة لا تنتقم طائفياً برغم تمثّلها لهوية مسلمة وبرغم غلبة صفةٍ إسلاميةٍ –بعمقٍ ما- على مخيالها وشعاراتها.  ولا ينتقص من شرف الثورة ولا من شرعيتها استبدادُ الخوف بالأقليات نتيجة نجاح دعاية النظام ونتيجة تصرّفاتٍ لفصائل ثورية ناشزةٍ عن النسق العام للثورة.  غير أنّ ذعر الأقلّيات والنخب العَلْمانية من تنشّط هوية الأكثرية -وهي المجموعة الفاعلة في الثورة والتي تقدّم التضحيات الباسلة وتتحمّل النتائج الباهظة- قدح الشكّ في نيّات هذه النخب والأقليات وفي مدى التزامها الوطني، الأمر الذي يدعو إلى التباعد عنها من باب الجفاء الثوري.  وفاقم هذا إلى حدٍّ بعيدٍ دخول الميلشيا الشيعية اللبنانية حلبة الصراع بتبريراتٍ مبتذلةٍ وبعد تنسيقها مع إيران في الدعم غير المشروط للنظام الاستبدادي الاستئصاليّ، فحفز ذلك فكرة الاصطفاف السنّي مواجهةً للعدوان الفارسي.  وإذا استمرّ هذا التباعد وتعمّق الاصطفاف فإنّ فكرة سورية كوحدة سياسية –وربما ككيان اجتماعي- تصبح صعبة التمثّل على أرض الواقع.

~     ~     ~

ليست الثورة السورية مجرد ثورة ضدّ نظام حكمٍ جائر، فلا يمكن أن تُفهم فاعلياتها وتُفسّر من خلال الموشور السياسي فحسب، بل هي حلقة في حركةِ تكوّن الأمة في فترة ما بعد الاستعمار وما رسّخ من هياكل وما بثّ من ثقافة… أمة تواجه ماضيها التراثي وحاضرها الحداثي بآن واحد.

وإذا كانت إعادة اكتشاف الهوية الحضارية للأكثرية المسلمة تمثّل روح الثورة، فإنّ ذلك يعني أيضاً أنّ المكونات الأخرى قليلة العدد تمرّ في عملية تحديد هويّتها الجمعيّة.  وتمثّل الحالة العلوية النُصيريّة أشدّ حالات التأزّم مقارنة بغيرها من الأقليات.  وبغضّ النظر عمّا يصحّ تحميل مسؤوليته للطائفة، فإنّ ما آل إليه وضعُها ليس في صالحها وليس في صالح الوطن أيضاً.  التغيّرات الثقافية حصلت وما زالت في طور التبلور، والتغيّرات الهيكلية ما زالت تتخبّط في سياق إقليمي ودولي، وبقدر ما يكون هناك تناسبٌ بين هاتين البنيتين يمكننا أن نطمع برؤية مستقبل مُشرقٍ لبلاد شامنا.

ج)  حالة العلويين النُصيريّة: هامشية تاريخية وتبنّي دولي:

1- الهامشية والمظلومية:

2- مستوى التثقّف وامتلاك المهارات:

3- الاستقطاب الخارجي:

4- الخلفيّة النصيريّة والتديّن:

5- الاصطفاف الطائفي:

6- خلاصة:

مازن هاشم

20/7/2013

Tagged: , , ,

14 thoughts on “ميلاد أمة-4: ج) حالة العلويين [6] -خلاصة

  1. Samir Twair 2013/08/27 عند 7:11 ص Reply

    Excellent analysis. Thank you, Mazen.

  2. […] 6- خلاصة: […]

  3. […] 6- خلاصة: […]

  4. Wael Hamadeh 2013/08/30 عند 7:15 م Reply

    بارك الله فيكم دكتور مازن ….. البحث حول حالة العلويين منهجي وعميق أفدت منه إفادة كبيرة فجزاكم الله خيراً …. وأعتقد أن في ثناياه مصلحة ثورية كبرى تتمثل في دراسة علمية تحليلة استقصت العوامل والأسباب والأبعاد المختلفة المتعددة والمركبة لظاهرة التحام الطائفة مع النظام على الرغم من الممارسات الإرهابية الوحشية لأخير بحق المجتمع السوري …..

    هذا الاستقصاء يجنب قراءة المشهد الثوري تفريطاً وإفراطاً …. أما التفريط فهو من جانب من يريد التعامي عن واقع التفاف الأغلبية الساحقة للطائفة حول النظام رغبة في تجنيب البلاد مزيداً من الاحتقان والاستقطاب الطائفي الذي قد يتجسد على الأرض على شكل هاوية لا قعر لها من الاقتتال الأهلي الطائفي المدفوع بالانتقام بعد سقوط النظام وهؤلاء يفضلون العيش في وهم يصنعونه في مخيلتهم الوردية عن الاعتراف بمفردات الواقع الأليم الدامي ….

    وأما الإفراط فهو من جانب من لا يرى سبباً لهذا الالتفاف الظاهر إلا مؤامرة شيعية مجوسية صفوية ذات بعد عقدي بحت الأمر الذي يسطح المسألة تسطيحاً مخلاً أحادي البعد لا يسعر المشاعر الطائفية ويوصلها غلى ذروتها فحسب بل الأدهى أنه يهيئ الرأي الثوري العام لسردية لأحداث الثورة تسهل على دول إقليمية توظيف الفعل الثوري واستثمار الدم النازف والتضحيات الجسيمة السورية عبر منظومة إعلام نافذة ومؤثرة لصالح أجندتها الإقليمية التي لا ناقة للشعب السوري فيها ولا جمل ….

    • مازن موفق هاشم 2013/08/31 عند 8:24 ص Reply

      شكراً الأستاذ وائل على هذا التعليق الذي يُثري الموضوع ويزيده وضوحاً

  5. محمود العلواني 2013/09/03 عند 6:33 ص Reply

    ((ووجود المستفدين من غير الطائفة لا ينفي طائفية النظام، فتوسيع رقعة الزبائن خارج الطائفة أمرٌ يضطر إليه المستبدّ من أجل الاستفادة من خبراتهم ومن أجل توسيع مدى نفوذه)) ……… كلام صحيح تماما … و هذا ما كنا نقوله لمن يدعون العكس سواءا من داخل الطائفة او من خارجها !! و أضيف أيضا (ان وجود معارضين من داخل الطائفة لا ينفي الصفة الطائفية عن النظام) و أن جزء من “توسيع رقعة الزبائن” هو -في جزء منه- للتغطية على “طائفتهم” و “طائفيتهم” معا و للتمويه على “حقيقتهم” خصوصا بعد ان بدأوا بـ”استخراج” و “استعمال” الاموال التي نهبوها من اماكنها “الامينة” للتمتع بها -و خصوصا الجيل الثاني منهم- بعد طول صبر و انتظار … و بدأت ملامح الترف و الأبهة و شراء العقارات و السيارات الفخمة و التباهي و غير ذلك تظهر علانية و بلا مواربة !! و زاد على ذلك دخولهم مجال “المال و الاعمال و التجارة” بشكل وقح و مكشوف !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s