ميلاد أمة-4: ج) حالة العلويين [5] الطائفية

ج) حالة العلويين النُصيريّة: هامشية تاريخية وتبنّي دولي

 

5- كلمة في الاصطفاف الطائفي:

فاجأت الثورةُ الباسلة التي رصّت لحمة الأكثرية نظامَ الطغيان الذي تأسّس فكرياً وفق مفاهيم ماركسية منذ أيام البعث في 1963 ووفق آليات مؤسّــسية تبنّت نمط ألمانية الشرقية.  وكان أقدر الفئات على استغلال هذا المنزع الفكري والآليات التي رسّخها هي الفرقة التي تعاني أشدّ درجات الغربة والبُعد عن رابطة المجتمع والتي تتطلّع للاقتصاص منه، ألا وهي الطائفة العلوية النُصيريّة.

 

وواجهت ثلّةُ الحكم الطاغية السادرة في غيّها المجتمعَ الثائر بعنفٍ وتنكيلٍ وتخريبٍ وتشريد قلّ أن عرفت مثله البشرية، ولم تتورّع من أن تسحق شرائح هامشية من خارج الطائفة كانت يوماً هي مصدر دعمها في الصفّ الثاني.  ونجحت الثلّة الحاكمة في زجّ الطائفة بأسرها في أتون مغامرتها الإجرامية.  وهكذا انغلقت الأبواب على الطائفة العلوية النُصيريّة، واستهلكت ما جرى من تطبيعٍ لوضعها تحصّل من خلال أبّهة الحكم ووفرة المال وارتفاع المستوى المهني لكثير منهم، فانتكس المشهد الوطني بقيادة ثلّة الحكم إلى أقصى زوايا الأقلوية الطائفية.  وهي ليست أقلوية التمايز والاختصاص، بل أقلوية عداءٍ انتقاميّ ينزلق إلى تجاوز كل الضوابط الأخلاقية. 

لقد بدا النظام الحاكم بالنسبة لوسطيّ العلوي وكأنه سبب إخراجها من هامشيتها والوسيط الذي أدخل الطائفة إلى عالم الحداثة، وإن كان السبب الأعمق هو تطورات تاريخية تمكّنت فيها الحداثةُ بقيادة الرأسمالية العالمية من اختراق العالم الثالث وإعادة تشكيله.  كما أنه حصلت أعدادٌ كبيرة من العلويين في ظلّ النظام على رغد عيشٍ لم تحلم به من قبل.  ولا ينافي ذلك بقاء أعدادٍ كبيرة منهم سجينة قراها المهملة أو سجينة وظائف خدمية لنخبة طائفتها، إذ أنّ لديهم ميزة شبكة الوساطة والمحسوبية، ومزية الشعور بالحماية إذا لزم الأمر، بالإضافة إلى ميزة فرصة الوشاية والإيقاع وإمكان الانتقام.  والمفارقة الكبرى هي أنّ العلويين الذين بقوا في أسفل السلّم الاجتماعي الاقتصادي وليس لديهم فرصة للارتفاع برغم انفراد طائفتهم بالسلطة هم –بحُكم موقعهم- أكثر من شارك في السلوك الهمجيّ وارتكاب الجرائم البشعة لقمع الثورة.

وينبّه المنافحون عن الطائفة على أنّ الحُكم الذي تسيطر عليه حفنةٌ من العلويين لم يحجزه انتماؤه عن تحجيم عشائر علوية منافسة وعن تصفية مناوئيه ولو كانوا من الطائفة، وخاصة مناوئيه من النخبة السياسية اليسارية.  هذا أمرٌ معروف، غير أنّ العناصر العلوية التي أوقع بها النظام كانت كذا شركاء في المسيرة الاستبدادية إلى لحظة الصدام وتعارض المصالح.  أما العشائر العلوية الساخطة على النظام فكانت غير راضية لفوت فرص الامتياز.   فهل سبّب جفاؤها من النظام مغادرة الموضع الطائفي، أم بقي الأمر على نحو حسرةٍ طائفية من نوع آخر؟  وهل نتج عن بُعدها النسبي من النظام اقتراباً من الهوية الجامعة للوطن، أم وقعت في اغتراب متعدّد؟

كما يدافع المنافحون عن الطائفة قائلين إنّ النظام دفع شبابنا إلى الجيش والاستخبارات وحرمهم من تطوير المهارات وأبقى أكثرهم في هوامش الفقر.  وهذا صحيح كما أوضحنا، غير أنّه لا ينفكّ ذلك في نظر من هم خارج الطائفة عن شخصية الطائفة التي هي بالنسبة لهم مصدر التحكّم والظلم، إذ يركّزون على الجهة التي تُذيق العذاب وتعتدي على الكرامة.  وإنّ سلوك الجيش وقوى الاستخبار التي تسيطر عليها نخبةُ الطائفة سلوكٌ في منتهى الإجرام والنذالة لا يمكن أن يُعذر منه بشر، و لا يأبه الذي يُقتل أهله ويعذَّب ويُحرق بيته بتحليل الأسباب التي دعت إلى الجريمة؛ ففهم الأسباب لا يخفّف المصاب ولا يزيله.

ومثل ذلك يقال في الاعتذار بأنّ قوى الشبّيحة هي ثلّة من المهرّبين والمجرمين العلويين الذين لا يتورّعون عن استهداف قرى أهليهم وأفراد طائفتهم، فهذا لا ينفي سلوكهم الطائفي ولا ينفي نجاح النظام في تجنيدهم.  غير إنه ليس كل الشبّيحة من الطائفة العلوية، ونسبتهم تختلف بحسب المنطقة، فالراجح أنهم  يشكّلون الأكثرية الساحقة بين شبّيحة الساحل (وربما حمص)، أما في غيرها من المناطق فالجاري على الألسنة أنّ  نصف عداد الشبّيحة هو من العلويين.  ويشار أيضاً إلى أنه لا ينتمي كلّ قادة قوى الجيش التي تقوم بتدمير البلدات والمساكن والبنية التحتية إلى الطائفة العلوية.  فهل يمنع ذلك إطلاق وصف الطائفية على النظام؟  يعتمد الجواب على الوجه الذي يركّز عليه التحليل، هل هو سلوك الأفراد أم بنية المؤسسة.  فلا خلاف في أنّ بنية الجيش بنية طائفية تتحكّم في مفاصله، كما هو الأمر في قوى الاستخبار، وكذا يقال في مواقع النفوذ في الجهاز السياسي وفي بيروقراطية الحكم.

وكل ذلك يشكِّل مفارقاتٍ تفتح باب تبادل التهم ولا تسمح بإغلاقه.  فلا ريب في أنّه نجح النظام في تجنيد الطائفة -ككُل- وأنّ هذا التكتّل المجتمعي هو الذي يستند إليه النظام الآن، وهو الذي يراهن عليه في خططه الانفصالية في المستقبل إذا لزم الأمر.  ومن وجه آخر، هناك علويون شاركوا في الثورة، وهناك من قدّم معونة إغاثية في ساعة حرج.  ويذكّرنا الذين يرون أنّ الطائفة وُضعت ظلماً في قفص الاتهام بأنّ الطائفة تفتقر إلى زعامة تتكلّم باسمها على المستوى الاجتماعي  وإلى سلطة دينية لها كلمتها المسموعة بينهم.

وهناك المثقّفون من الطائفة العلوية المعارضون للنظام والذين تعرّضوا للسجن والتوقيف والتضييق.  وموقف المثقّفين حرجٌ لأنّ عليهم تبني خطابٍ لا يفقدون فيه ثقة عناصر طائفتهم، كما أنّ بروزهم وشهرتهم يجعلهم يتحرّكون ضمن خطوط حمراء يرسمها النظام المستبد.  والحصانة التي يوفّرها الانتماءُ تنفع في الحال الطبيعي، أما عند المواجهة الصفرية تصنّف المواقف في ثنائية الولاء/الخيانة.  ولكي لا يقع التحليل في العنصرية الطبقية التي تُعلي من شأن المثقفين وتبرؤهم، علينا أن نتذكّر أنّ عناصر مثقّفة من الطائفة وذات تحصيل مهني عالٍ شاركت في أعمال خسيسة جداً في قمع الثورة، كما أنّ هنالك من بسطاء العلويين من رفض القيام بالأعمال الخسيسة.  أي أنّ العمق الأخلاقي لا يمشي دوماً موازياً للمستوى الثقافي.

وناهيك عما سبق، رؤية المثقفين العلويين رؤيةٌ عَلْمانية يغلب عليها التطرّف، وخياراتهم العملية هي مما تبغضه الوجهة العامّة للثورة، فما الثورة إلا جهدٌ رافضٌ لاستلاب الهوية.  ويشار إلى أنّه يتحسّب وجساً عموم العلويين من الجماعات الإسلامية المتشدّدة، وهذا أمر متوقّع، فغير العلويين أيضاً يتوجّسون من ذلك أيضاً.  غير أنه يبالغ العلويون في خلع صفة التشدّد على أي توجّهٍ إسلامي أو توجّهٍ محافظٍ إلى حدّ حرمان قطاعاتٍ واسعة من الشعب من خياراتها المعيشية، كما يجري التمترس بافتراضاتٍ عَلْمانية عن نمط الحياة المثالي، مما يعني عملياً إقصاء نسق الحياة المفضّل لدى الأكثرية.

وإنّ ما سبق ليرسم جملةً من المفارقات الحادّة، فصحيح أنّه لا يدفع الوضع السوسيولوجي للطائفة إلى المشاركة في الثورة أو مناصرتها، إلا أنّ الطائفة في الوقت نفسه شكّلت الحاضنة الشعبية للقمع والتنكيل، وصارت قرى الطائفة وأحياؤها في نظر النظام مواقع استراتيجية عسكرية/أمنية استثمرها النظام استثماراً كاملاً.  ولا شكّ في أنّ التفاف الطائفة حول النظام هو من أهم أسباب استمراره.  كما أنّه تستغلّ القوى الدولية الانتماء الطائفي وتموّه خططها الاستعمارية بحجّة الدفاع عن حقوق الأقليات.  ويضاف إلى ذلك استساغة التحالف الذي أجراه النظام السوري مع النظام الإيراني، فزاد في حجم السخط الموجّه إلى الطائفة.  وهكذا وقعت الطائفة في شراكٍ هي مادة حبال شبكته، وأصبح العلويون في النظرة العامة –كطائفة وليس كأفراد- يُعتبرون من جملة النظام ومن لُحمة الاستبداد، بغض النظر عن أي صيرورة أودت بهم إلى درك الشقاء.

ولقد قادت جدلية الفاعليات إلى اصطفاف طائفي جرى فيه -للأسف- دغدغة أفكار ومشاعر الانتقام الجماعي لدى بعض أفراد الأكثرية.  غير إنه ينبغي تفريق مشاعر الانتقام -التي تعكس حال الاحتقان- عن الأفكار الانتقامية التي هي جزء من إديولوجية صلبة مغلقة.  فالأُولى هي تنفيسٌ وتعبيرٌ عما يستحقّه المعتدي بحسب ما يرى المظلوم المقموع، واحتمال تحوّل هذه المشاعر إلى فعلٍ احتمالٌ منخفض، وتبقى في حيّز الانتقامات الفردية حين تحصل.  أما حين يكون الانتقام والتصفية جزءاً من إديولوجية حدّية فإنّ احتمال تحوّلها إلى واقع هو أعلى بكثير، ويمكن أن يتمّ على نحوٍ مخيفٍ منظّم.  أما التعويل على ثقافة بلاد الشام التي اعتادت التنوّع فهو أمرٌ يريح ضمير الأكثرية ولكن لا يفي لتطمين مخاوف الأقلية العلوية.

ويشار إلى أنّه لا تتحرّك مسألة الانتقام من الطائفة العلوية النصيرية موازيةً لشدة التديّن، وإنما تتعلّق بنوع التديّن وطبيعته.  وثمّة مشاعر انتقامٍ مصدرها حنقٌ عشائري بحت، ويحجز عمقُ التديّن في هذه الحالة عن فعل الانتقام ولا يحفزه.  ولا بدّ من التذكير بأنه تجتمع الشرائع على أنه لا يحاسَب إلا مرتكب الفعلة (بما في ذلك من خطّط وموّل) كلٌّ بقدر إسهامه، وأنه لا يجوز الاقتصاص بناءاً على الميل النفسي أو الموقف الفكري ولو كان موقفاً منحطاً وسافلاً.

ج)  حالة العلويين النُصيريّة: هامشية تاريخية وتبنّي دولي:

1- الهامشية والمظلومية:

2- مستوى التثقّف وامتلاك المهارات:

3- الاستقطاب الخارجي:

4- الخلفيّة النصيريّة والتديّن:

5- الاصطفاف الطائفي:

6- خلاصة:

Tagged: , , , ,

11 thoughts on “ميلاد أمة-4: ج) حالة العلويين [5] الطائفية

  1. Samir Twair 2013/08/26 عند 3:44 م Reply

    Excellent.

  2. […] 5- الاصطفاف الطائفي: […]

  3. […] 5- الاصطفاف الطائفي: […]

  4. […] 5- الاصطفاف الطائفي: […]

  5. […] 5- الاصطفاف الطائفي: […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s