تعقيبات أولية على مقال يرى الحل في الاستهداف الطائفي

4/10/2012
عرض المقال تطور الجهد العسكري وأزمته الكبيرة في غياب قيادة محكمة جامعة وفي تكتيكاته.

كما أكد على أنه “زادت كمية القذائف المضادة للدروع والتي نجحت في تحويل بعض المناطق إلى مقابر لها”

وجزم بإن “كل المراجعات التي يمكن لباحث أو مراقب القيام بها في العمليات العسكرية… لن تفضي إلا إلى توصية واحدة مفادها أن الأرض المحررة تمر من الأجواء المحررة”

وعرض تقرير مجلة النهار اللبنانية وخطة “اقامة منطقة تخضع لسيطرة المعارضة تمتد من النصف الشمالي لمدينة حلب وصولاً إلى شرق إدلب حتى حدود منطقة الحسكة الكردية وحتى غرب القامشلي. تتطلع الخطة التركية ــ الأميركية إلى فرض حظر جوي في هذه المنطقة على سلاح الجو السوري، من خلال تدخل تركي غير معلن، وذلك بالنيابة عن كل الحلف الأطلسي ومجموعة دول أصدقاء الشعب السوري.  وقوام الحظر تزويد المعارضة بصواريخ ستينغر المضادة للطائرات”

ونبّه إلى أن “النظام السوري سيلجأ للرد على تسليح المنطقة المحمية داخل الأراضي السورية بصواريخ ستينغر، بتزويد المنطقة الكردية في الحسكة (والتي باتت تسمى اصطلاحاً في الدوائر الغربية «كردستان سوريا») بصواريخ سام قادرة على إسقاط الطائرات التركية ليس فقط فوق أجواء هذه المنطقة بل فوق أجواء الاراضي التركية حيث تجري الاشتباكات بين حزب العمال الكردستاني والجيش التركي”.

وأكد على أنه “تحت الضغط العسكري والأمني والنفسي الذي يتضمنه العمل في كتائب الجيش الحر علينا أن لا ننسى أن إستراتيجة الصراع الذي لا وجود فيه لسلاح ثقيل ولا لغطاء جوي أو مدفعي لا تقوم إلا على شن : “حرب العصابات” التي تعتمد على ” الكر والفر” و” الهجوم والإنسحاب” وليس على ” التشبث بالأرض والتمسك بها”

وأكد على أن إنتصار الثورة المقبول دوليا “هو تلفيق” حل دبلوماسي، “روسي ـ إيراني ـ غربي ـ تركي ـ عربي”

وذكّر المقال بحاجة المقاومة المسلحة لحاضنة شعبية، وأن النظام لا يتوانى عن “دكّ هذه الأحياء بأقصى ما لديه من قوة مدفعية أو صاروخية أو قصف بالطيران – لِمَ لا ما دامت هذه المناطق أصلا تدخل تحت تصنيف النظام لدماء سكانها بـ “دماء الطائفة المستباحة”.  ما دمنا قد إضطررنا إلى تشخيص الواقع وتصنيفه بحسب ” طائفة الدم” فلماذا لا نتساءل عن سبب تجنّب الجيش الحر حتى هذه اللحظة عن الدخول إلى مناطق وأحياء ” الطائفة معصومة الدم ” من النظام الأسدي أو مناطق وأحياء ” الطوائف معصومة الدم” من المجتمع الدولي؟!

هذه هي النتيجة الأساسية التي وصل إليها المقال بناء على مقدمات قد لا يكون هناك خلاف كثير حولها غير أنها لا تتّصل بالكامل بهذه النتيجة.  وما يلي ملاحظات سريعة حول ما أحسب أنه إشكاليات خطيرة جديرة بالانتباه:

إنّ مما يفوت المقال أن تلفيق حل ديبلوماسي هو خيار فحسب.  وإنه ولو كان خياراً مفضلاً للبعض، ولا سيما أوروبة، فإن هناك خيارات أخرى يطمع إليها هؤلاء الأطراف أنفسهم، ولا سيما إذا فاز الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمركية؛ وكذا هناك أطماع إيرانية تتجاوز التسوية وتفضلها إذا سنحت الفرصة.  وهل نسي الكاتب أن هذه الدول تراهن على عدة فرس بآن؟  فهناك سيناريوهات أخرى ممكنة، وقد يضطرون إليها ولو لم يحبوها، وهناك أطماع أوسع ولكنها أخطر ويمكن أن تهوي بمشروعهم فتيجنبونها خوفاً واحترازاً.

ومناقشة معضلة الكردستاني ترتبط بوضع الكرد في باقي أرجاء كردستان من جهة، ولا يمكن نسيان العلاقات الوثيقة التي أقامتها تركيا مع البرازاني واستثماراتها الضخمة في شمال العراق، تلك الاستثمارات التي لها تبعات أو عهود سياسية، على شكل خطوط حمر على الأقل.  وقد أشار المقال إلى عدم وجود تركّز ديمغرافي واسع للكرد، ولكنه أهمل هذه الخصيصة البنيوية التي تجعل قيام كيان كردي مستقل في سورية أمر صعب جداً، إلا عصابات تجول في بعض بلداته وتسيطر على الوضع على هذا النحو وليس على نحو إقيلم يمكن أن يتمتع باستقلالية سياسية مستقرة.

وإذا كان الإشكال هو التكتيك الخطأ، فهل جوابه القفز أم التصحيح واعتماد الكر والفر الموسّع في غياب قدرة النظام على الانتشار العرضي الواسع على الأرض.

والقصف الجوي إذ حَرم القوة العسكرية للمقاومة من السيطرة على المكان، فإنه في الوقت نفسه حرم النظام من إمكانية الحكم.  استراتيجية غروسني يمكن أن تنجح إذ كانت بحجمها نسبة لروسيا، لا أن تُقصف كل بلدة ومدينة.  وهل من حكمٍ فيه بقية عقل يسعى إلى تدمير مدينته الاقتصادية؟

وهل المطلوب هو القفز العشوائي إلى خيال استراتجية حاسمة، أم رفض أساس الإشكال في استحكام رغبة الاستعجال والحسم، ونسيان أن المطلوب هو إنهاك العدو وليس هزيمته، وتراجعه إعياءاً وليس موتاً بضربات قاضية.

ونسي المقال إشكال ضعف الجهود السياسية الذي يفترض أن تستثمر أي إنجاز عسكري، فما كان لإنجاز عسكري أن ينتصب بنفسه، ولا  أن يعوّض دور السياسة ولا دور الحراك المدني الموازي؛ كما لا يمكن لدولة مجاورة محبّة أم مبغضة أن تقبل أن يكون على حدودها فوضى الانفلات.

والمقال خلط بين أمرين: تحويل المعركة إلى مواجهة طائفية (وهو الذي يُفهم من المقال) و إضعاف التماسك العلوي أو حرمان الأقليات من إمكانية الانسحابية.  وهذا الثاني لا يستدعي الأول ضرورة.  أي هناك فرق بين أن تتعامل بواقعية مع التركّز العلوي في قوات القمع أو السلبية النسبية للأقليات و جعل المدخل العسكري الطائفي هو الحل.  ولا يمكن أن ننسى أنّ السلبية ليست مقصورة على الأقليات.

وبفرض أن العلويين الذين يعيشون في القرى هم كلهم شبيحة، مع أننا نعرف أن كثيراً من القرى العلوية تكاد تكون خالية من الشباب، غير أنهم ليسوا أعضاء الجيش الذي يقوم بالتدمير.  وإذاً للزمت مناقشة إمكانية مهاجمة أمثال حي الـ 86 في دمشق وليس القرى النائية، فلا يغيّر الانتقام من الذويّ معادلة القوة العسكرية.  وهل سيغير النظام أسلوبه ورأيه إذا دمرت بعض القرى العلوية أو أحياء الأقليات؟  وهل لنا أن نسأل كيف يمكن الاحتماء بحي رغماً عن أهله؟

والخطأ الكلاسيكي في الحلول المقترحة هو تخيل نجاعتها التامة وأنها لا تترافق مع نواتج سلبية يجب حسابها.  إنه لا بدّ لأي مقترح أن يناقش جوانبه السلبية واحتمالات نجاحه.

وفي غمرة وهم النجاعة التامة للحل، انجرّ المقال إلى التركيز على العنصر العلوي ونسي أنه مؤطر في إطار مؤسسة دولة، مهما كانت هذه المؤسسة مترهلة (مؤسسة الجيش والمخابرات).  وللمرء أن يسأل إذا كان كل ملاك الجيش الذي يشترك في القتل هو من العلويين، وأن يتفكّر في صعوبة الانشقاق أو رفض الأوامر أو الفرار والانعزال.  ولم يتطرق المقال إلى احتمال وجود عناصر غير علوية تعتقد فعلاً بأن هناك مؤامرة خارجية، على الأقل كحيلة نفسية ليستطيع المرء أن يعيش.  ونسي أن النهب الذي جرى في حلب حديثاً يغلب أن قام به أو شارك به غير علويين.

أما جزم المقال باستحالة أي نوع من التعايش المستقبلي بين فئات المجتمع السوري ففيه ذهول عن التنوع الكبير في مشاعر الناس حتى الذين يميلون للثورة ويتمنون نجاحها، وأحسب أن الثقافة الشعبية تملك قدرات عالية على امتصاص دوافع الثأر.

والخلاصة، المقال إذ يُظهر المتابعة الدقيقة الحثيثة لتطور الثورة والمعرفة بتفاصيلها، يعكس يأس المحبّ أكثر من نصيحة المبصر، ولا أحسب أن الطرح ارتقى إلى رؤية استراتيجية ناجعة بكليتها.

نسأله تعالى السداد

د. مازن موفق هاشم

Tagged: , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s