الطيِّ السليم لصفحة التاريخ

1/4/2011

لا يمكن لمراقب الواقع السوري أن يفوته ملاحظة الرغبة الأكيدة للشعب في العيش بسلام بين جميع مكوناته. وإذ تمثلت هذه الرغبة بتصرفات حكيمة على أرض الواقع برغم الظروف الحرجة أو بسببها، فإنها أيضاً صيغت صياغة جامعة على يد النخبة، سواء فيما أصدره مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، أو فيما أعلنه موقع الانترنت للثورة السورية.

وإذا كان عزم الشعب حازم في طيِّ صفحة التاريخ، فإن الطي يكون أوثقاً إذا ترافق مع أمرين: الاعتراف بالخطأ وفهم أسباب الخلاف. أي أنه ينبغي أن لا تستند همّة الطيِّ على ضغوط الحاجة الآنيّة التي يمليها الظرف، وأن يتعدى ذلك إلى مستوى مساءلة النفس والاعتراف بالخطأ وإلى تنمية فهمٍ واعٍ للمستقبل.

الشعب السوري يعي تماماً أن تأزم العلاقات الفئوية عقدين خلتْ كان مغايراً لناظمها العام. فالعلاقات الفئوية في سورية –ونسبة إلى تجارب البشر- كانت بعامة علاقات وضيئة تتجلى فيها التعددية على وجه جميل. ولكي يقطع الشعب الطريق على قوى متربّصة لها مصلحة في النزاع الطائفي، لا بدَّ للشعب أن يؤمِّن واقيات من النزاع وحاجزات عن دواعي التنافر. فالمناعة ضدَّ الطائفية لا تأتي من خلال قرارٍ أو فتوى من الأعلى، وإنما من خلال إحساسٍ ذاتيٍّ عميقٍ في ضمير الشعب وفي قناعاتٍ راسخةٍ في أذهانهم وفي عاداتٍ جاريةٍ في حياتهم.

ولذلك لا بدَّ عند طيِّ صفحة التاريخ أن تتمَّ مواجهة النفس والاعتراف بالخطيئة، لا لتشكيل عقدة أبديّة يُجتر الكلام فيها، وإنما لتكون محطة مغادرةٍ تُحال فيها الرواسب النفسية والثقافية والفكرية السلبية إلى عالم اللاوجود. وأحسب أن اعترافين بخطيئتين يجب الإقرار بهما في هذه المرحلة التي نطوي فيها صفحة، لكي لا يبقى تحتها ما يتعفَّن ويُعيد كرَّة المرض.

الخطيئة الأولى تتعلَّق بالتقصير في فهم قانون اجتماعٍ يُمكن تسميته (خَدَر الأكثرية وحَذَر الأقلية). فما من أكثريةٍ في قوم من الأقوام إلا وتحجب كثرةُ عددها رؤيةَ الحاجاتِ المشروعة للأقليات. ولعل أوضح مثال في هذا هو الشأن الكرديّ. فبرغم أنه لا يحمل الشعب السوري مشاعر سلبية تجاه الأكراد، تحسّس الحرمان اللغوي الثقافي الذي يعاني منه الأكراد والوضع القانوني العجيب الذي وضعوا فيه لم ينضج إلا في الفترة الأخيرة. والوجه الآخر لهذه لخطيئة هو أنه بحكم كون الأقلية قليلة العدد، ينشأ عندها شعور حذرٍ طافحٍ يجعلها تفضّل الانغلاق على نفسها لتحمي خصوصياتها من التيار الجارف للأكثرية.

وحين يصطف الخَدَر والحَذَر جنباً إلى جنب، ينتج توازنٌ قلق يهدِّد بالانفجار إذا استغله المستغلون أو عجز القادة والساسة عن معالجته على نحو سليم. فالأكثرية تتشكّل عندها قناعاتٌ أن الأقلية غير مخلصةٍ للاجتماع الكبير، وأنها مستعدةٌ لبيع المصالح الكبرى للوطن مقابل تحقيق مصالحها الضيقة. وبالمقابل، الأقلية تشعر أن الأكثرية مستعدة أن تضحي بها قرباناً من أجل زيادة استئثار الأكثرية وتمكين سطوتها.

إن الانتباه إلى هذه الخيالات الجمعيّة وتحسّس موضع الآخر أمر ضروري جداً في رحلة تحقيق التآلف الاجتماعي. بمعنى أن أعضاء الأكثرية ينبغي أن يضعوا أنفسهم في مكان الآخر ويحاولوا تخيّل مشاعر الأقلية ومخاوفها. وبالمقابل، على الأقلية أن لا تُضخِّم شعور الحرمان وأن لا تجعله أساس هويتها.

وعند ذلك يمكن تجاوز النظرة الانتقائية في التاريخ (القريب والبعيد) التي همّها توجيه تهم الخيانة لفرقة أو أخرى. وأقول نظرة انتقائية لأنه قد يوجد دلائل أن أفراداً من مجموعةٍ ما كان لهم مواقف غير مُرضِية أو مواقف ضعيفة في مضمونها الوطني. غير أن أمثال هؤلاء موجودون في كل الفرق، بما فيها جماعة الأكثرية؛ كما لا يُعقل تحميل مجموعةٍ ما ذنبَ أفرادٍ ناشزين ينتمون إليها.

الخطيئة الثانية هي خطيئة رفض الاعتراف بأخطاء الماضي اعترافاً صريحاً. وليس هذا من باب سحب الحاضر ليعيش في الماضي، وإنما من باب قفل الحساب واستشراف المستقبل بصدور منشرحة. وفي هذا الصدد، لا بدَّ من الاعتراف بأن الطائفة العلوية ظُلمتْ عند ختام الحقبة العثمانية. ولا بدَّ من الاعتراف بأنه هُمِّش الريف تهميشاً جائراً عقب الاستقلال. وخطط التنمية لحقبة ما بعد الاستعمار ركّزت على المدينة وأجحفت بالريف. ولم يكن ذلك مقتصراً على سورية، بل كان سمة عامة لخطط التنمية في العالم الثالث جديدِ الخروجِ من قبضة الاستعمار المباشر. ففي غمرة الافتتان بالتحديث السريع تبنت هذه الدول خطط تنمية عرجاء لا توازن بين الاحيتاجات الصناعية والزراعية. وتبعاً لذلك تسارعت الهجرة إلى المدن وفقد الريف كمونه البشري الضروري لاستمرار النشاط الزراعي، وانقلبت الدول التي كانت تزدان بمنتجات زراعية وافرة إلى دول مهدَّدة في أمنها الغذائي.

لقد فاجأت تجارب التحرّر العربي العالم في مدى نضوجها وحضاريّتها، وأسقطت المقولاتِ التي تطعن في الذات بناء على أن العرب ليسوا أهلاً للطرق الديمقراطية، وأن في جيناتهم الثقافية ما يجعلهم خليقين بالاستبداد. وسوف يسجل التاريخ أن الأمة السورية شعبٌ متحضِّر بامتياز، قادرٌ على طيِّ صفحة التاريح طيّاً نظيفاً يطهِّر الأفكار والمشاعر من عقابيل التعايش الإيجابي المشترك.

المقال منشور أيضاً على الرابط التالي: http://all4syria.info/web/archives/1418

د. مازن موفق هاشم

Tagged: , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s