إعلام الثورة: مبادئ أساسية

6/29/2011

عملية التغيير الاجتماعي عملية معقدة متراكبة، وتستدعي توافر الجهود العديدة لانضاجها. وما الثورة إلا وجهٌ من وجوه التغيير الاجتماعي وليست مجرد عمل سياسي. ولإعلام الثورة دور مهم وحيويّ في مسيرتها. واستعمل هنا مصطلح الإعلام بمعناه الواسع جداً ليشمل كل ما يؤثر في الناس. وضمن هذا الاستعمال يكون الخبر والأدب صنوان لا يمكن فصلهما. والخبر الجامد كحقيقةٍ مادية يقدحُ خيالاً يتعايش معه السامع. وفي القصة الأدبية الخيالية إشارةٌ إلى ماضٍ له رمزية أو إلى مستقبل مرجو؛ وفي كلٍّ دعوة غير مباشرة للعمل والتفاعل مع الأمر. والأخبار اليوم تُصاغ بطريقة قصصية، والكلمات التي تُنتقى لها أثر كبير.   

الصدقية

كون المصداقية أكبر رصيد للإعلام أمرٌ معروف. والناس في فترات التغيير تعيش حالة تشكّك وتردّد. والتشكّك قد يكون نتيجة عمل عقلي نقدي، أو يكون نعكاساً نفسياً ليصرف عن الذهن ما لا يحتمل. ولهذا، كان التحقّق من الخبر ليس مطلوباً من ناحية مهنية فحسب، وإنما أيضاً من ناحية تأثيره، كي لا يسببُ انهيارُ الخبر الذي ظهر عدم صحّته انهياراً آخراً لذاك الشاكّ المتردّد.

وفي تبني منهجية ابن خلدون في مقام الثورة حكمة كبيرة. ففي مناخ الثورة يصعب التحقّق من الأخبار. فإذا سمع المرء خبراً لا ينسجم مع طبائع الثورات، فلْيرفضه إلى أن يثبت ثبوتاً أكيداً. بل وربما الحكمة تقتضي الإعراض عنه لأنه يشوِّش عملية التفكير ويُغيِّب سننيّة فهم الواقع.

بعبارة مختصرة: صحّة المعلومة حدّ أدنى لا يمكن تغافلها.

دقّة العبارة

في حال الظلم يجهر الإنسان بألمه ويميل أن يبالغ ليعبر عن استيائه وعن فداحة مصابه. غير إنه إذا لم يضبط كاتبُ الكلمات تعاطفَه مع الواقع الأليم وأدام استعمال أشدّ الصفات وأكثرها وقعاً، نفدتْ من جعبته الكلمات ووقع في التكرار. ولتضخيم الخبر من خلال تغليظ الكلمة أثران، داخلي وخارجي. على صعيد الداخل قد ينتج عن الوصف المبالغ خوف وتراجع، وسوء فهمٍ للواقع. وفهم الواقع شرط ضروري من أجل تصويب العمل؛ ويمكن أن يحدث هذا ولو كان المتحرِّك على وعيٍّ بأنه يبالغ من أجل إظهار الغضب وتأكيد أحقيّة قضيّته. على صعيد الخارج، تفقد الشكوى –مع الزمن- قيمتَها عند الآخر، وتصبح مجرّد عبارات للإثارة. كما أن لبعض العبارات المستعملة معنى قانونياً محدداً (مثلاً، جرائم ضدّ الإنسانية)، والاستعمال غير الدقيق يخفض مستوى الاحترام من قِبَل المتعاطفين تعاطفاً عقلياً لا وجدانياً.

بعبارة مختصرة: التضخيم والتأجيج قد يضر.

جرس الكلمة

إذا استحضرنا قوةَ الكلمة الأدبية ودورَ الشعر في الخيال العربي، ظهرت أهمية جرس العبارة. مثلاً، شعارات ونداءات الثورة تشير على نحو واضح أنها جزء من رؤية المعارضة، صيغتْ على نحو مختصر يفهم رمزيته كلُّ الناس. وتبعاً لهذا، إعلام الثورة وأدبها، سواء ما تقوم به أو ما يُقام بالنيابة عنها، ينبغي أن يتناغم مع خطتها ويواكب تطور حركتها في الواقع. وهناك إيقاعات مختلفة: فللتثبيت نغمة، وللترويح نغمة، وللحضّ نغمة، وللتحريك نغمنة، وللحشد نغمة، وللاسنتفار نغمة (وأقصد بالتثبيت المؤازرة على شدة على وجه الإيجاب؛ والترويح هو المؤازرة على شدة على وجه السلب؛ والحضّ هو الدعوة إلى عمل غير محدد؛ والتحريك هو دعوة لعمل معين؛ والحشد هو جمع عدد كبير على قاعدة مشتركة؛ والاستنفار هو دعوة عريضة لعمل معين). فلا بدّ أن يأتي كل إيقاع مقدراً بقدر الحاجة والمناسبة، وإلا لانصرفت الطاقات في غير محلّها، ولأُنهكت العزائم بسبب زجّها في غير وقتها.

بعبارة مختصرة: توليف النغمة مع الهدف فرض في حق الثورة.

مسؤولية الكلمة

الكاتب أو الخطيب ينبغي أن يقدّر التبعات العمليّة لكلامه. فعندما يدعو الناس إلى موقف ما، ينبغي أن يكون الناس على بيّنة مما يترتّب على هذا الموقف، وأن يرتضوه لأنفسهم. ولذا، التهييئ للمناجزة يأخذ وقتاً مديداً حتى تنشرح الصدور وتتكوّن القناعات. وليست مسألة التحريك مجرّد زج الناس في معمعة الثورة، وإنما تحقيق مزدوجة القناعة والإرادة. وهذا ما يعطي التحرّك استمراريّة ومقدرة على السير على دربٍ مرسوم أو دربٍ يُرسم أثناء المسير؛ وبدون ذلك يكن هناك مجرّد هبّات. وثمن الهبات الخائبة قد يكون باهظاً على المستوى الشخصي، وباهظاً على مستوى مسيرة الثورة.

وهناك مسؤولية أخلاقية عن الكلمة. فإذا كان صاحب الكلمة محميّ في حرزه لا يدفع ثمن كلامه، فلا يستقيم أن يشجّع الناس على عملٍ هو ليس جزءاً منه ولا يُصيبه ما يُصيب الذين يدعوهم إليه. ويتصل بهذا أمرٌ يخفى على الناس، وهو أن معاملة السجناء وتعذيبهم له علاقة بحرارةِ التصريحات التي تصدر عن قيادة الثورة.

بعبارة مختصرة: إذا كنت لا تدفع ثمن ما قد يترتّب على كلمتك، لا تقلْها.

ولا بدّ لي أخيراً من التنويه أنه يبدو أن دروس الثمانينيّات غائبة عن أذهان بعض الناس. وفيما يختصّ بالإعلام، حدَثَ يومذاك تضخيمٌ أسقط المصداقية وتهويلٌ لعِبَ بحياة الناس.

وأخيراً، حريٌّ بنا أن نتفكَّر في قوله تعالى: ((وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)) النساء 4/83. وهذا آكد عندما نتذكّر اختلاف مستويات الوعي بين الناس: ((…وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ…)) التوبة 9/47.

د. مازن هاشم

Tagged: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: